يُشكل كل فيلم جديد للمخرج كريستوفر نولان حدثاً سينمائياً استثنائياً بحد ذاته ؛ فقد رسخ هذا المخرج مكانته خلال السنوات الماضية كأحد أبرز صناع الأفلام الحالمين، القادرين على تحويل أي فكرة سردية إلى عمل سينمائي فريد ومعقد. يحرص نولان دائماً على تقديم أفضل ما لديه لجمهوره، ويمنحهم قصصاً لا تُنسى تظل مثاراً للنقاش والتحليل لساعات طوال ، إذ تتميز جميع أعماله بالإتقان الفني العالي وجودة الإنتاج الفائقة.
نستعرض هنا نقد ومراجعة أحدث تحف نولان السينمائية: فيلم «أوبنهايمر». يُعد هذا العمل الفيلم الروائي الطويل الثاني عشر في مسيرة نولان، وهو كبقية أعماله، يطرح تحديات فكرية عميقة. لا يسلك نولان في هذا الفيلم مساراً تقليدياً يسعى للحكم على شخصية “جي. روبرت أوبنهايمر” وتحجيمها بوصفه إما عالماً عبقرياً أو مجرماً حربياً. فهو يدرك تماماً أن الانسياق وراء هذا التأطير قد يحول الفيلم إلى معالجة ثنائية الأبعاد بين “البطل” و”الشرير” عندما يتعلق الأمر بشخصية تاريخية بهذا التعقيد؛ لذا تجنب نولان هذا الفخ بوعي شديد ولم يسمح بأن يُحاصر داخله.
إن هدفه الأساسي هو سرد حياة إنسان يمر بتحولات وجودية كبرى ويتخذ قرارات مصيرية – سواء كانت صائبة أم خاطئة – نابعة من جوهره الإنساني الداخلي. ومن هذا المنطلق، يصوّر نولان الشخصية الرئيسية من زوايا متعددة تشمل الأبعاد: الشخصية، والعلمية، والمهنية.

نظرة عامة على القصة
«أوبنهايمر» هو فيلم دراما وسيرة ذاتية يستعرض حياة وجهود عالم الفيزياء الأسطوري جي. روبرت أوبنهايمر. صَدَر الفيلم عام 2023، ويركز على أحداث “مشروع مانهاتن” الذي تمخض عنه صنع أول قنبلة ذرية في التاريخ. وبفضل رؤية نولان العميقة للسرد المعقد متعدد الطبقات، استثمر المخرج أدواته لتقديم رواية جاذبة ومثيرة للتأمل.
بصرياً، يوازن الفيلم ببراعة بين المشاهد الملحمية والتفاصيل العلمية الدقيقة، دون أن يغفل البُعد الإنساني للصراع الداخلي والأزمات الأخلاقية التي واجهها أوبنهايمر. وينقسم السرد في الفيلم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: يستعرض خلفية أوبنهايمر ومعتقداته، ويقدمه كفيزيائي نظري لامع لكنه عرضة للخطأ والزلل.
القسم الثاني: يركز على فترة عمله في مشروع مانهاتن وتعاونه مع زملائه لصنع القنبلة.
القسم الثالث: يسلط الضوء على تداعيات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يطارد أوبنهايمر دائماً حلم الاستقرار في ظل حياة مشحونة بالتوتر والقلق. وعلى الصعيد العلمي، يتأرجح بين النزعة المعرفية الخالصة والبراغماتية السياسية، بينما يعيش على الصعيد المهني انقساماً حاداً بين مرحلتين يفصلهما نجاح تجربة “ترينيتي”؛ فبينما كان قبل التجربة قادراً على قيادة وإدارة فريقه، وجد نفسه بعدها عاجزاً تماماً عن منع استخدام اختراعه.
اعتمد نولان في بناء الفيلم على سرد متدرج يعكس ارتباك الشخصية الرئيسية وتشتتها؛ حيث يبدأ أوبنهايمر مسيرته ممتلكاً القدرة على الفعل والمبادرة، لكنه يفقد السيطرة تدريجياً مع تصاعد الأحداث. وبعبارة أخرى، كانت بدايات أفعاله تنبع من إرادته الشخصية، بينما آلت نهاياتها إلى أيدي الآخرين. إن أوبنهايمر هو ذلك الرجل الذي صنع الذرة ظناً منه أنها ستكون وسيلة لمنع فظائع الحروب، ليجد نفسه في النهاية أسيراً لأوهام جعلته عبداً لها. وهكذا تحولت معركته لاكتشاف علم أراد به إنهاء الحروب إلى كابوس شامل يهدد البشرية.
الأداء التمثيلي وبناء الشخصيات
بلا شك، يكمن أحد أقوى عناصر فيلم «أوبنهايمر» في الأداء الاستثنائي لطاقم الممثلين. ويأتي في مقدمتهم كيليان مورفي الذي قدم تجسيداً لافتاً ومؤثراً لشخصية جي. روبرت أوبنهايمر ؛ حيث نجح في نقل بريق هذا العالم، وصراعاته النفسية، ومعضلاته الأخلاقية بطريقة مقنعة للغاية. إن قدرة مورفي على سبر أغوار هذه الشخصية المعقدة ارتقت بالفيلم ليصبح دراسة نفسية ممتعة، ومن المؤسف أن أداءً بهذا العمق لم يحظَ دائماً بالاعتراف الفوري الذي يستحقه لدى بعض نقاد هوليوود.
قدم مورفي أداءً متأنياً ودقيقاً للشخصية المعروفة عالمياً بلقب «أبو القنبلة الذرية». وتتجلى ذروة قوته التمثيلية في الجزء الثالث من الفيلم، حيث نجح في نقل ملامحه المضطربة ومشاعره الممزقة دون الحاجة إلى حوار أو شرح لفظي. لقد اعتمد نولان إخراجياً على قدرة مورفي الفائقة على سرد قصة الشخصية من خلال عينيه فقط؛ تلك العينان اللتان تحكيان مأساة رجل يعتقد أنه منح البشرية أدوات فنائها. سيعرف جمهور مسلسل «Peaky Blinders» قدرة مورفي على الانغماس التام في الشخصية، ومن تابع تعاوناته المتكررة مع نولان سيخرج من هذا الفيلم باحترام مضاعف لمكانته كأحد أعظم ممثلي جيله ؛ إذ أتاح له «أوبنهايمر» المساحة المثالية ليثبت سبب اختيار نولان له لقيادة هذا المشروع الطموح.

الشخصيات الثانوية
إميلي بلانت: قد تكون الممثلة المفضلة لدى النقاد في هذا العمل؛ ورغم أن دورها كزوجة لأوبنهايمر لم يحظَ بمساحة واسعة من التطوير الدرامي، إلا أنها استغلت اللحظات المحورية لتتألق بقوة، وتبدو الشخصية الأكثر إثارة للتعاطف في محيط أوبنهايمر.
مات ديمون: قدم أداءً جيداً في دور الجنرال “غروفز”، وأضافت حواراته الحادة والمتبادلة مع مورفي قيمة ترفيهية واضحة للفيلم.
فلورنس بيو (جين تاتلاك): التقت جين بأوبنهايمر عام 1934، واستمرت علاقتهما العاطفية المعقدة حتى بعد زواجه من “كيتي”. لم يقتصر اختيار فلورنس بيو للدور على الشبه الخارجي فحسب، بل ارتبط بالغموض الذي يكتنف شخصية جين الحقيقية. تجسد بيو ببراعة كآبة جين وتشتتها الفكري الذي يتقاطع مع ميولها الشيوعية، مما جعل صراع أوبنهايمر اللاحق مع “لجنة مكارثي” أكثر تعقيداً وضراوة. توفيت جين بعد ثماني سنوات من لقائهما، ووُجدت جثتها وحيدة في منزلها، ورجحت الشرطة انتحارها بجرعة زائدة من الأدوية مع العثور على رسالة غير موقعة بجانبها ، غير أن شقيقها شكك في ذلك واعتبرها ضحية لعمليات تجسس تابعة للأجهزة الأمنية الأمريكية. قسّمت بيو أداءها لشخصية جين إلى ثلاثة مستويات: العقائدي، والجنسي، والعاطفي، لتظهر الأثر العميق الذي تركته في وجدان أوبنهايمر. وحتى اسم أول اختبار نووي “ترينيتي” (الثالوث) مستوحى من قصيدة للشاعر الإنجليزي جون دان بعنوان “اضرب قلبي، يا إله الثالوث”، وهي القصيدة التي عرّفته جين عليها.
التفاعل الدرامي بين الشخصيات
يقوم الخط الدرامي الأساسي في السيناريو على التفاعل والصراع غير المباشر بين أوبنهايمر ولويس ستراوس. وفي حين يبسط مورفي سيطرته على المشاهد بحضوره المركزي في كل لحظة ، يبرز أداء روبرت داوني جونيور ببروده المتقن ونبرته الدفاعية. وبينما تخترق نظرات مورفي العميقة الشاشة، تضفي نظرات داوني جونيور المترددة ظلالاً مقلقة من الانتهازية، مما يجعل شخصيته بمثابة تهديد مزعج للمشاهد.
إن التوتر والجاذبية بين هاتين الشخصيتين يشكلان أحد الأعمدة الأساسية التي جعلت فيلماً طويلاً كهذا ممتعاً ومثيراً للاهتمام. ويُعد أداء روبرت داوني جونيور من أبرز عناصر الفيلم، حيث اندمج تماماً في شخصية لويس ستراوس وقدم أداءً قوياً جعل ترشيحه لجائزة أفضل ممثل مساعد أمراً بديهياً ومتوقعاً.

منهجية نولان الإخراجية
لا يمكن الشك في أن نولان مخرج عبقري وملهم ؛ فربما لا يوجد في السينما المعاصرة سوى قلة من المخرجين الذين يدركون أبعاد صنيعهم بدقة مثله. هذا الإدراك ليس مجرد معرفة عامة بالمهنة، بل هو تحدٍ داخلي نابع من وعي ذاتي فطري ؛ فنولان واضح تماماً بشأن الرسائل والمضامين التي تحملها أفلامه، وعلى هذا الأساس ينطلق في استكشاف أهدافه السينمائية.
يتلخص منهج نولان الإخراجي في استيعاب نص القصة أولاً وبشكل عميق، ثم نقل هذا الفهم إلى شخوص الفيلم، ليقود الصورة السينمائية كقائد أوركسترا ماهر. وهنا تتجلى عبقريته في تجسيد الأفكار الذهنية البحتة وتحويلها إلى كادرات بصرية ملموسة ؛ فتداخل قطرات المطر مع ملامح عيون مورفي وموجات الإشعاع النووي يأتي متشابكاً بطريقة تأسر المشاهد وتدخله في عمق السرد.
يربط نولان ببراعة بين موجات الألوان الناتجة عن الإشعاعات النووية والشمسية، وأضواء الثقوب السوداء، وتأملات أوبنهايمر الكبرى، وبين مئات الأسرار التي تختبئ خلف نظرات كيليان مورفي البارعة. تقدم كل لقطة في الفيلم مزيجاً مكثفاً من الإحساس، والفن، والعلم. فعندما يربط المخرج مشهداً في المختبر بقضم تفاحة خضراء مسمومة بدافع غضب أوبنهايمر، تتبادر إلى الذهن فوراً تفاحة نيوتن وقانون الجاذبية ؛ وفي اللحظة التي يستعيد فيها العالم منطقه ويتجاوز غضبه، يهرع إلى المختبر لينتزع التفاحة المسمومة – التي وصفها بأنها تفاحة “أكلتها الديدان” – ويلقيها في سلة المهملات أمام الدكتور نيلز بور (الذي أداه كينيث براناه بشكل جيد). وكأن تفاحة نيوتن، بوصفها رمزاً للعلم والمعرفة، قد تلوثت بالسم الذي أنتج لاحقاً القنبلة الذرية.
الموسيقى ودورها الرمزي
من هذا المنطلق، يبرز الدور الجوهري لموسيقى لودفيغ غورانسون التصويرية، حيث تحمل إحدى مقطوعاته البارزة عنواناً يشبه التساؤل الملح: “هل تستطيع سماع الموسيقى؟”. تلعب آلة الكمان، كصوت فردي يتبلور وينمو تدريجياً داخل الأوركسترا الكاملة، دوراً رئيسياً في صياغة الهوية الموسيقية للفيلم.
إن براعة نولان في دمج الموسيقى بالصورة والمؤثرات الصوتية في بدايات الفيلم تبدو مذهلة ومثيرة للترقب ؛ ففي دقيقة وخمس وثلاثين ثانية فقط، ينجح نولان في حقن تركيبة شخصية أوبنهايمر في روح المشاهد عبر هذا المزيج المتناغم، ليصل المعنى الفكري والوجداني بوضوح تام. وتلعب الحوارات والموسيقى التصويرية دوراً فعالاً في نقل المشاعر الشجية ورفع وتيرة التوتر في اللحظات الحاسمة ، كما يمنح المونتاج الذكي وترتيب المشاهد الفيلم إحساساً هجيناً يجمع بين وثائقي تاريخي رصين ودراما سينمائية ديناميكية متدفقة.

توظيف الفن التشكيلي والرموز
يتجلى فهم نولان العميق لعالمه السينمائي في كيفية مواجهة شخصياته للأفكار الوجودية ؛ ورغم أن أوبنهايمر شخصية حقيقية ومصيرها التاريخي معلوم للجميع، فإن المخرج يترك الحكم على أفعاله ومواقفه لذكاء المشاهد وتأمله الشخصي.
تظهر هذه الرمزية بوضوح عند زيارة أوبنهايمر للمتحف وتأمله للوحات المدارس التكعيبية لروجر دي لا فريزني، وفاسيلي كاندينسكي (كليون)، وبابلو بيكاسو، حيث يربط الفيلم بين أساليبهم الفنية الفريدة ورؤية أوبنهايمر الفيزيائية للعالم.
فمن خلال نظرة كيليان مورفي الثاقبة إلى لوحة “الحياة الزوجية” لـ”فريزني”، يربط نولان المشاهد مسبقاً بعلاقات أوبنهايمر العاطفية المعقدة وزواجه المضطرب.
كما يربط زمن اكتشافه للقنبلة إبان الحرب العالمية بلوحة “صانع الساعات”، ويجسد تعقيداته النفسية الداخلية وصراعاته بلوحة بيكاسو الشهيرة “امرأة جالسة وذراعاها متقاطعتان”، عبر استعارات بصرية متداخلة تعكس غرابة الواقع الذي يعيشه.
خاتمة تقييمية: أوبنهايمر يتجاوز السيرة الذاتية
كان جي. روبرت أوبنهايمر شخصية بالغة التعقيد والتناقض ؛ امتلك ذكاءً حاداً وفهماً عميقاً للكون، لكنه عاش مثقلاً بجلد الذات والندم نتيجة دوره في ابتكار أحد أخطر أسلحة الدمار الشامل في التاريخ البشري. دفعته عبقريته الفيزيائية الفذة لإدارة “مشروع مانهاتن” بنجاح ، وهو النجاح الذي أنهى الحرب العالمية الثانية بالفعل، ولكنه افتتح في الوقت ذاته عصراً نووياً مرعباً مليئاً بالمآزق الأخلاقية والوجودية.
لم يكن أوبنهايمر مجرد عالم ذو ذكاء آلي جاف، بل تأثر بعمق بالآثار المدمرة لعمله ؛ وتحول بعد الحرب إلى أحد أبرز الدعاة لفرض رقابة الدولية على الطاقة النووية ونزع السلاح، وهو تحول دراماتيكي يعكس وعيه ومسؤوليته الأخلاقية تجاه “صندوق باندورا” المخيف الذي فتحه بيده. وعند تقييم شخصيته، لا بد من التوقف عند هذه الازدواجية: رجل علم يقدس جمال القوانين الكونية، ويواجه في الآن ذاته رعب استخدام هذه القوانين في الإبادة الجماعية.

في الأدب والسينما، غالباً ما يُصوَّر أوبنهايمر كبطل مأساوي (Tragic Hero) وصل إلى ذروة المجد العلمي ليعاني لاحقاً من تبعات إنجازه. وقد نجح فيلم نولان (2023) في الالتزام بالحقائق التاريخية والتفسيرات النفسية المعمقة، وعكس هذه الاضطرابات الداخلية بصدق شديد. يرى المشاهد تقلبات يقين أوبنهايمر، ولحظات اليأس الوجودي التي عاشها جنباً إلى جنب مع انتصاراته العلمية الهائلة ، وهي عناصر تشكل مساراً شخصياً يطرح تساؤلاً أخلاقياً حول علاقة المجتمع الحديث بالتقدم العلمي المتسارع.
يقود نولان، بفضل أسلوب سرديته متعددة الطبقات، المشاهدين لفهم الرجل الكامن وراء الأسطورة، والعقل الذي صاغ معادلة القنبلة. لا يظهر أوبنهايمر هنا كرمز للتقدم العلمي فحسب، بل كـ “كون مصغر” يختزل صراع التطور التكنولوجي مع المسؤولية الأخلاقية ؛ وتجسد شخصيته ثنائية العصر الحديث: قدرة الإنسان الهائلة على الخلق والتدمير معاً. إن قصته تضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال جوهري: هل تمتلك البشرية الحكمة الكافية للتحكم في مثل هذه القوة الفتاكة؟.
خلاصة القول
يظل كريستوفر نولان بلا شك أحد أبرز وأهم صناع السينما المعاصرين. وعلى عكس أعماله السينمائية التجارية الضخمة السابقة، ينحاز فيلم «أوبنهايمر» إلى القيمة الفنية الخالصة على حساب الصيغ التجارية التقليدية ؛ فالفيلم غوص سينمائي عميق في خيارات وشخصية أوبنهايمر، ويقدم تجربة بصرية وآسرة بفضل الأداءات الاستثنائية، والتصوير السينمائي المذهل، والتوتر الدرامي المتصاعد. إنه ليس مجرد فيلم سيرة ذاتية عابر، بل هو عمل يحمل رسائل فكرية وفلسفية مكثفة ومتراكمة ، تبرر تصنيفه من قبل النقاد كواحد من السير الذاتية التي ترتقي لمرتبة “التحفة الفنية”.
تقييم هيئة التحرير عرب شوتايم: 9 من 10.




