«مفعمة بالشغف»؛ هذه هي الكلمة الأفضل لوصف الطريقة التي صُنع بها استوديو الألعاب «Sucker Punch Productions» لعبة «Ghost of Yōtei». فإلى جانب الاستخدام المتقن للتقنيات، والالتزام بالعديد من مبادئ تصميم ألعاب العالم المفتوح، وابتكار معارك ممتعة ودامية، يظهر حب المطوِّرين واضحًا في كل تفصيل من تفاصيل العمل.
إن استوديو الألعاب «Sucker Punch» هو استوديو أمريكي يقع في إحدى ولايات الشمال الغربي للولايات المتحدة، وعلى بُعد أكثر من 7000 كيلومتر عن اليابان؛ ومع ذلك بدا واضحًا أن الفريق قد أحبّ أرضَ الشمسِ المشرقة بكل جوارحه قبل أن يُقدّم هذه اللعبة للاعبين.
ملخص قصة لعبة «غوست أوف يوتي»
في قصة «Ghost of Yōtei»، ستكتشف أن لكل ذكرى أو ذنب أثرًا خاصًا على الروح، وقد يغيّر مصير الإنسان بشكل جذري. تبدأ القصة بصمتٍ عميق يخيّم على قرى سفح جبل “يوتِی”، حيث اختفى كثيرون في تلك الجبال، وحان وقت استيقاظ الروح الحارسة للجبل. تمتلك الشخصية الرئيسية ماضیًا مظلمًا مرتبطًا بهذا الجبل، وتدخل في مسارٍ يجبرها على الاختيار بين الحقيقة والوهم، الأسطورة والواقع، الخوف والتحرر.
تدور أحداث هذا العمل المحبوب تقريبًا بعد 329 سنة من أحداث لعبة «Ghost of Tsushima»، وتقدّم سردًا مستقلًا تمامًا. وفي اللحظات الأولى، نشهد الحدث الأقسى والأكثر تأثيرًا في حياة “آتسو”. ففي هذه اللحظة بالذات، بعد مقتل والدها ووالدتها وأخيها، يربطونها على شجرة “الجينكو” العائلية ثم يُشعلون النار فيها. الجناة هم مجموعة تُدعى «ستة يوتي»، والذين لم يكونوا في طفولتها سوى عصابة متمردة بأحلام كبيرة.
يشتعل في قلب “آتسو” شوق جارف للانتقام يدوم لستة عشر عامًا، وتستمر القصة حين تعود إلى إقليم يوتي في أرض “إزو”. “آتسو”، التي نجت من ليلة احتراق الشجرة، تقضي بقية سنوات مراهقتها وبداية شبابها كمرتزقة تتدرّب في الجنوب. وقبل أن يسيطر نظام الشوغون “توكوغاوا” رسميًا على جزيرة “هونشو”، تقاتل “آتسو” في معركة “سكيغاهارا” التاريخية عام 1600، ثم تعود إلى “إزو” عام 1603 (وهي المنطقة المعروفة اليوم باسم هوكايدو).

الآن، تُعد عائلة “ماتسومايه” — وهي عائلة حقيقية نشأت في أقصى جنوب إزو — السلالة الرئيسية للساموراي في هذا الصراع، لكنها باتت تحكم المنطقة بعنف وقسوة بعد حرب دامية ضد «ستة يوتي».
وقبل أن تقحم اللعبةُ اللاعبَ في عالم “إزو” بعنفه البصري ووحشيته، يعرض مقطع تعريفي قصير يشكّل جانبًا مهمًا من شخصية “آتسو”. ففي هذا المقطع، تتغلب “آتسو” على عدة مرتزقة بسهولة، لتواجه في النهاية الاسم الأول في قائمة انتقامها: “مار”. تنتهي المبارزة بينهما باختراق السيوف لجسديهما؛ فيموت “مار”، وتعود “آتسو” إلى الحياة وهي تلهث، مما يصدم الحاضرين.
ومن هذه اللحظة، تولد أسطورة “الأونريو” — الشبح المنتقم الذي يبدو كمن عاد من الموت. تمسح “آتسو” دماء “مار” عن كاتانتها وتكتب اسمه على وشاحها، الذي يحمل قائمة أعضاء «ستة يوتي» وتضم أسماء مثل: مار، كيتسونه، أوني، التنين، عنكبوت، واللورد سايتو؛ ومن هنا تتوالى المعارك والمغامرات التي تخوضها بطلة القصة واحدًا تلو الآخر.
السرد وبناء الشخصيات
لا يحاول استوديو «Sucker Punch» إخفاء أو إنكار تأثير الأعمال الفنية اليابانية الشهيرة، بل يفخر صراحة بالاستلهام منها في كل زاوية من «غوست أوف يوتي». يفتخر الفريق بأنه يتعلم من السينما اليابانية الغنية ويبني اللعبة على هذه الدروس. وعندما نتحدث عن التأثيرات الواضحة، فإننا نعني تفاصيل تتجاوز مجرد لمحات بصرية تذكّر بأساليب مخرجين مثل “تاكاشي ميكه” و”أكيرا كوروساوا”. بل إن الأمر يتخطى ذلك إلى التعاون المباشر مع “شينيشيرو واتانابي” (مبدع أنمي Cowboy Bebop)، وهو تعاون جذاب أضفى على مشاهد الاستكشاف وبعض المعارك نكهة موسيقية تذكرنا بأنمي Samurai Champloo.
ولكن، بعيدًا عن أي إشارة رسمية، فإن ما يمنح لعبة «Ghost of Yōtei» طابعًا يابانيًا عميقًا لا يقتصر على مجرد إعدادات نغيّرها في القوائم، بل هو شيء أعمق بكثير. فـ «غوست أوف يوتي» تحوّل شخصيةً مجروحة إلى “أونريو” دون مقدمات مطوّلة، بينما يدرك اللاعب من إعياء “آتسو” بعد القتال أنها ليست مجرد شبح، بل امرأة نجت لتنفّذ انتقامها وتسفك دماء أولئك الذين أحرقوا حياتها قبل ستة عشر عامًا. تُقدَّم “آتسو” كشخصية أنثوية جُرحت في الحروب، وتؤكد مرارًا أنها ليست من الساموراي ولا تتقيد بمبادئهم، بل تحمل سيفًا متعطشًا للدماء وقائمة أسماء يجب أن تُمحى بدمائهم.

الاقتباس من الثقافة والفن الياباني
إذا كنت من محبي الأفلام اليابانية، فستتذكر منذ افتتاحية اللعبة وحتى نقاطها المحورية أجزاءً من أفلام الانتقام اليابانية الشهيرة مثل Lady Snowblood وThe Blind Swordsman: Zatoichi. لكن السؤال الأهم هو كيف توظّف «Ghost of Yōtei» هذه الموروثات الثقافية لتقديم تجربةٍ متألقة للاعبين. من لحظة ركوب الحصان في إزو (ما يُعرف اليوم بهوكّايدو) ومتابعة حركة الكاميرا فوق الفرس، إلى لحظة إسقاط عدوٍ حقير ومشاهدة انزلاقه على الأرض، لا شك أنك أمام عملٍ مخلص لمصادره اليابانية.
إن دقة «Sucker Punch» في تصميم العالم تجعل تصوير “إزو” عام 1603 مقنعًا للغاية؛ إذ لم يكتفِ المطوّرون بلمسات سطحية، بل درسوا القبائل، الأسلحة، أنماط الحياة، اللغة، الأساطير، الفوارق الاجتماعية، وتسلسل السلطة في تلك الحقبة، ليقدّموا عالمًا غنيًا يستحق الاستكشاف. يمكنك أن تمسك بأداة التحكم، وتركب حصانًا، وتستمع إلى لحنٍ يربطك بمشاعر الشخصية، وتطارد الانتقام بينما تجوب سهولًا مزهرة؛ هذه هي لعبة عالم مفتوح تُكافئ الاستكشاف وتمنح وقت اللاعب قيمة حقيقية.
المؤثرات البصرية وتجربة اللعب
بالنظر إلى إنجازات فريق العمل في Ghost of Tsushima، ليس مستغربًا أن يبدو عالم «Ghost of Yōtei» ملونًا، جميلًا، ومتفردًا لدرجة تجعلك تتوقف أحيانًا لالتقاط صورٍ عبر وضع Photo Mode المتقدّم. ومع ذلك، حرص المطوّرون على تجنّب تكرار أخطاء سابقة، واستلهموا من أفضل ألعاب السنوات الأخيرة، فكانت النتيجة أنك تقضي 90% من الوقت مستمتعًا بالغوص في عالم اللعبة دون الحاجة لفتح الخريطة؛ عالم يمنحك إحساسًا حقيقيًا بالحياة في شمال اليابان البري.
أثناء تقدمك نحو نارٍ مشتعلة في الشرق تسمع عواءً، ثم تلاحق ثعلبًا لعله يمنحك تعويذة مفيدة، أو تصعد إلى ضريحٍ صغير على قمة جبل. قد تعزف على آلة “الشاميسن” أحيانًا، وفي بيئةٍ خالية من عناصر واجهة المستخدم المزعجة، تكتشف مواقع تدريبٍ مثل تمرين قطع الخيزران لتقوية “آتسو”. ودون أن تضيع ساعاتٍ في جمع الموارد، يكفي الانتباه أثناء التجوال للحصول على معظم المواد اللازمة لترقية الأسلحة. إن التنقّل في هذا العالم يكافئ اللاعب باستمرار، لذا يجد الكثيرون أنفسهم يقضون ساعاتٍ طويلة في ركوب الخيل، تسلّق الصخور، واستكشاف المناظر الخلابة دون اللجوء إلى التنقّل السريع.

أسلوب اللعب وإدارة اللعبة
لا تمنحك «غوست أوف يوتي» حرية التوجه نحو المهام الرئيسية فحسب، بل تُخفّف أيضًا من الحدود بين المهام الرئيسية والفرعية مقارنةً بـ Ghost of Tsushima. قد تقرر في البداية مهاجمة قلعةٍ ما، فتذكّرك هذه الاندفاعة بقصة «الساموراي ذي العين الزرقاء». وقد تنشغل بمتابعة تقارير عن قواعد العدو أو بصيد مقاتلي الرونين الخطيرين إلى حدٍّ يجعلك تغمر “آتسو” — بزيّ الأونريو الأصفر — بالدماء، مستحضرًا في ذهنك مشاهد فيلم Kill Bill.
في كل طريق تختاره، هناك نوع من التقدّم السردي؛ إما عبر معرفة أعمق بماضي الشخصية، أو عبر فهم الأساطير المحلية، أو بالغوص في حبكةٍ فرعية مؤلمة، أو حتى بتحسين علاقة “آتسو” بمخلوقٍ بريّ يذكّر بذئب هوكّايدو المنقرض؛ لتساعده في القضاء على صيّادين لا يرحمون البشر ولا الحيوانات.
العَيب الوحيد الذي يمكن توجيهه للسرد وربما للعبة ككل هو التسرّع في عبور بعض المواقف الدرامية. وبالنظر إلى أسلوب السرد وتنفيذ العديد من ثيمات القصة بشكل ممتاز، فإن هذه المشكلة لا تُفسد التجربة كليًا. لكن هناك مقاطع كان من الأفضل لو عُرضت بمزيد من التأنّي والشحن العاطفي، مثل دخول شخصية جديدة إلى السرد، أو كشف سرٍّ ما، أو العفو عن شخصٍ ما.
القتال والأسلحة
من أهم مزايا «Sucker Punch» كاستوديو اليوم، إدارة الموارد بشكلٍ سليم ومراعاة نقاط القوة والضعف في الفريق. يعرف المطوّرون كيف يحافظون على الأصول المفيدة السابقة وفي الوقت نفسه لا يسمحون لها أن تُقيّد الإبداع. من المستحيل ألا يتذكّر اللاعبون Ghost of Tsushima أثناء تجربة Ghost of Yōtei، لكن من المستحيل أيضًا إنكار الفروق بينهما؛ بدءًا من التحسينات في الأقسام المتشابهة وصولاً إلى الميزات الفريدة للعبة الجديدة. ومن أهم هذه التحسينات زيادة جاذبية نظام القتال.
بما أن “سايتو-ساما” (العدو الرئيسي لآتسو) يُعتبر سيدًا في استخدام أنواعٍ متعددة من الأسلحة، تتجه “آتسو” أيضًا إلى تعلّم تقنياتٍ متنوعة من أساتذة مختلفين؛ لتوظيف أسلحة متعددة ضد أعداء متنوّعين. تُضاف الأسلحة إلى تجربة اللعب بوتيرة منطقية، مما يضفي ديناميكية على سير اللعبة، خصوصًا أن الأعداء كثيرًا ما يهاجمونك جماعيًا ومن جهاتٍ متعددة، ما يضطرك لتغيير السلاح باستمرار.
من الأسلحة النارية البسيطة وأنواع القنابل اليدوية، مرورًا بالسهام والقوس، إلى الرمح الطويل، وسلاح “الكوساريغاما” (وهو سلاح ذو سلسلة حادة يتكون من منجل متصل بسلسلة ثقيلة ينتهي بثقل حديدي)، والكاتانا المزدوجة، وسيف الأوداتشي الثقيل — لكلٍ منها حركاته الخاصة وهجماته المميزة ووظائفه في ساحة المعركة.
القتال في Ghost of Yōtei ليس مجرد ضغطٍ عشوائي للأزرار؛ وبما أن القصة قائمة على الانتقام، فلا بد أن يكون الأمر كذلك، حتى يكتسب قتل كل شخصٍ على يد “آتسو” الأثر العاطفي المطلوب. وكما هو متوقع في قصةٍ عن “الأونريو”، فإن «الدم» هو الجوهر الذي ينسج هذه القصة ويشكّل تجربة اللاعب. القتال لا يصبح مملًا أبدًا؛ فهو يُبقي اللاعب منشغلاً حتى على مستوى الصعوبة العادي، في محاولةٍ لقراءة حركة العدو التالية أو اتخاذ قرار بشأن أفضل سلاحٍ يُستخدم. الاهتمامبتقوية دروع وشفرات الشخصية مهم لدرجة أن كل لحظة استكشاف في العالم تُصبح ذات قيمة. كما أن التوازن بين التنوع وتكرار الأنشطة الفرعية مُراعٍ بشكلٍ مقبول، فلا يشعر اللاعب بالإحباط من قائمة مهامٍ رتيبة كما في بعض ألعاب العالم المفتوح.

في النهاية، تظهر البصمة الدموية للعبة في معاركها، ومواجهاتها، وما بعدها من معارك مع الزعماء التي قد تشكّل تحديًا حقيقيًا. تقدّم Ghost of Yōtei لحظاتٍ تقوم على اندفاع دم “آتسو” نتيجة أفعال الأعداء الدنيئة وهجومٍ واسعٍ على مجموعاتٍ كبيرة لتقطيعها إربًا، وكذلك مواجهاتٍ فردية تحبس أنفاس اللاعب. توازن اللعبة بدقّةٍ بين مستويات صعوبة القتال ضد عددٍ قليل من الأعداء، والقتال ضد مجموعاتٍ كبيرة، ومواجهة أفرادٍ مميّزين مثل المطلوبين للعدالة (أصحاب المكافآت)، وبالطبع قتال الزعماء الرئيسيين؛ بحيث حين تهزم أحد الأعداء الأقوياء والمهمين تشعر فعلاً وكأنك تُخرج مشهدًا دمويًا من فيلم انتقامي ياباني.
هذه المعارك تبقى في الذاكرة، لأن المسار السردي المؤدي إليها محسوب بعناية. بعض معارك “آتسو” تدور في العالم الخارجي وبعضها في داخلها؛ أحيانًا تُصاب بسيفٍ في المعركة، وأحيانًا تُحدث الجراح أثرها داخلك روحًا وجسدًا. الانتقام يتقد عبر هذه المعارك المتواصلة؛ وهي معاركٌ قد لا تُوصِل المنتقِم إلى النصر الكامل الذي حلم به.
الخاتمة
إن فنّ «كينتسوغي» الياباني (金継ぎ) الذي يُعيد لَحم القطع المكسورة بمعدنٍ ثمينٍ كالذهب، يؤكّد على طبيعة العمل النهائي؛ فحتى الكسور والضعف ووضوح أماكن الالتصاق التي قام بها الحرفيون لا تُقلّل من الجمال، بل تزيده. وكما نرى على قناع الشبح، فإن Ghost of Yōtei تتبع فلسفةً فنيةً مشابهةً لتصل إلى النتائج التي يطمح إليها مطوّروها، تمامًا كبعض ألعاب العالم المفتوح الممتازة الأخرى.
في التجربة النهائية للعبة، المسألة ليست تقييم كل نظامٍ فرعيّ على حدة — من تصميم الألغاز إلى كل نشاطٍ ثانوي — بأقصى درجات الصرامة. المسألة هي كيف تتكامل عناصر اللعبة كلها، من الأدخنة التي تُوجّه اللاعب إلى جزءٍ معين من الخريطة إلى الزعماء الذين يشعلون حماسة اللاعب، لتمنحنا في النهاية ساعاتٍ من الانغماس في عالمٍ آخر وفي زمنٍ مختلف عن حاضرنا؛ في قالب انتقامي دموي، ومغامرةٍ مشوّقة، ودراسةٍ تاريخية-ثقافية ذات قيمة عظمى.
تترك هذه التجربة اللاعب في حالةٍ من المشاعر المزدوجة: حزنٌ على الثمن الذي دُفع، وفي الوقت نفسه رضا عن انكشاف الحقائق. لم يعد سقوط “آتسو” ونهوضها يحدث على الشاشة فحسب، بل يبقى محفورًا في ذهن ومشاعر اللاعب. والخطوات التي تُتخذ في طريق الدم والحق تُظهر مفاهيمَ أكثر إنسانية. يواجه اللاعبون طبقاتٍ أعمق مثل مواجهة الماضي، التعايش مع الحقيقة، واختيار طريقٍ يتجاوز الغضب.
تبلغ قوة السرد ذروتها حين تبتعد اللعبة عن التبسيط طوال مسارها ولا تقدّم بطلًا أحادي البُعد ومثاليًا؛ حتى الدافع الأساسي كالعطش للانتقام يُطرح في النهاية وسط أسئلةٍ عديدة. هذه التعقيدات تخلق ازدواجيةً خاصة في مجرى القصة وتضع اللاعب في شكوكٍ وانقساماتٍ داخلية عميقة.
تقييم هيئة التحرير في «عرب شوتايم» للعبة «غوست أوف يوتي»: 9 من 10




