دائماً ما كانت الصناعة السينمائية للفيلم الثامن في مسيرة كوينتن تارانتينو محاطة بالكثير من الجدل. فبعد أن فرغ تارانتينو من كتابة سيناريو «الحاقدون الثمانية»، تعرّضت النسخة الأولية منه للسرقة وسُرِّبت على الإنترنت، مما دفعه في لحظة غضب إلى الإعلان عن قراره بإلغاء المشروع وعدم تنفيذ الفيلم. ومع ذلك، وبفضل وساطات من عدة شركات إنتاج وشخصيات بارزة في هوليوود، تراجع تارانتينو عن قراره، وجَمَع طاقم التمثيل وبدأ في الإنتاج. لكن العواصف لم تتوقف هنا؛ إذ تعرّض الفيلم مجدداً، وقبل أيام قليلة من عرضه الأول، للقرصنة من قِبل مجهولين ونُشر على الإنترنت! ورغم كل هذه العقبات، شقّ فيلم «الحاقدون الثمانية» طريقه بنجاح إلى صالات السينما.
نظرة على البنية الدرامية والقصة
تدور أحداث الفيلم بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية. يعلق ماركيوس (صامويل إل. جاكسون)، وهو صائد جوائز (بونتي هانتر)، في عاصفة ثلجية هوجاء، ويلتقي مصادفة بصائد جوائز آخر يُدعى جون روث (كورت راسل)، الذي كان ينقل أسيرة حية تُدعى ديزي (جينيفر جيسون لي) إلى بلدة «ريد روك» لتقديمها للعدالة ونيل مكافأتها البالغة عشرة آلاف دولار. ينضم إليهم أيضاً شريف البلدة الجديد، كريس (والتون غوجينز)، الذي علِق هو الآخر وسط الثلوج. وأمام قسوة الطقس، يضطر الجميع للتوقف في نُزُل منعزل على الطريق لانتظار انقشاع العاصفة، وهناك يلتقون بأشخاص غامضين…
أسلوب تارانتينو في كتابة السيناريو
يُعدّ تارانتينو تاريخياً وحتى يومنا هذا أحد أبرز كتاب السيناريو في هوليوود. وفي «الحاقدون الثمانية»، يمزج ببراعة بين الفكاهة السوداء والسخرية الاجتماعية على مدار نحو ثلاث ساعات، والجدير بالثناء أن جودة الحوارات وإيقاعها لا يتراجعان طوال الفيلم. لقد ربط تارانتينو بذكاء شديد حبكة الفيلم بأحداث ما بعد الحرب الأهلية، ليتخذ منها منصة لمهاجمة طبيعة المجتمع الأمريكي في تلك الحقبة، ويمكن القول إنه نجح في ذلك تماماً. في هذا الفيلم، نلتقي بشخصيات متعددة، تعكس كل منها، بطريقة یا بأخرى، ترسبات ثقافة ما بعد الحرب الأهلية في أمريكا.
قد يظن الكثيرون أن فيلم الـ«ويسترن» الجديد لتارانتينو يأتي امتداداً لفيلمه السابق «جانغو الحرّ» (Django Unchained)، لكن الحقيقة أن «الحاقدون الثمانية» لا يلتزم كثيراً بالقواعد التقليدية لسينما الغرب الأمريكي، بل يتجه، على غير المألوف، نحو أجواء الغموض المصحوبة بعنف مفرط. في الواقع، ينبغي النظر إلى الفيلم بوصفه مزيجاً بين سينما الـ«ويسترن» الكلاسيكية وعناصر الغموض التشويقي على طريقة ألفريد هيتشكوك، مع تقاطع واضح في الأسلوب مع فيلم تارانتينو الأول «كلاب المستودع» (Reservoir Dogs). ما يميّز هذا العمل هو إثبات تارانتينو للمشاهد قدرته الفائقة على غزل حبكة غموض متقنة ومدروسة؛ وهي موهبة لم تتجلَّ بهذا النضج في أعماله السابقة.
يتحول النُزُل المغلق في الفيلم إلى مجسم مصغر للمجتمع الأمريكي في حقبة ما بعد الحرب؛ فضاء موبوء بانعدام الثقة، والتهديد، والترهيب، والإذلال العنصري. يتعامل ماركيوس وجون روث مع البشر بناءً على قيمتهم المادية والمكافأة المرصودة فوق رؤوسهم، سواء أكانوا أحياء أم أمواتاً، دون أي اعتبارات أخلاقية. وهذا الانحلال القيمي ينطبق على بقية الحاضرين في النُزُل، مع فارق وحيد وهو أن كل واحد منهم يرتدي قناعاً زائفاً ويدّعي ممتلاً مغايراً، لكنهم في الجوهر لا يختلفون عن صائدي الجوائز الجشعين. لقد نجح المخرج في خلق حالة من التوتر التصاعدي الهائل داخل هذا الفضاء الخانق، وهو توتر ناتج عن حصر الأحداث في مكان واحد (غرفة واحدة تقريباً) وتقديم الشخصيات والمواقف بعناية سيكولوجية فائقة.

بصمة تارانتينو: العنف المفرط
في الثلث الأخير من الفيلم، وبعد انكشاف الأوراق ودوافع الشخصيات، يتخلى العمل عن عباءة الغموض تدريجياً لينصهر في قالب سينما تارانتينو الخالصة. في هذه المرحلة، يضخ المخرج جرعة مكثفة من العنف السريالي في شرايين القصة، ويصوّر تفاصيل هذا العنف بطريقة فانتازية مبالغ فيها ليضع بصمته الإخراجية المعهودة. ومن لافت للنظر أن العنف هنا يُعدّ من النماذج القليلة التي تخدم البناء الدرامي للقصة تماماً ولا تبدو مقحمة. قد ينفر بعض المشاهدين من شلالات الدماء هذه، لكن لا يمكن إنكار أن كل مشهد دموي كان محسوباً بدقة ويخدم التدفق السردي.
ميزة أخرى لافتة أضفت لمسة من النوستالجيا (الحنين إلى الماضي)، وهي استخدام عدسات «بانافيجن» (Panavision) العريضة التي كانت حكراً على روائع الـ«ويسترن» الكلاسيكية. لقد استدعى تارانتينو هذه التقنية البصرية كتحية إجلال لنوعه السينمائي المفضل، مما منح المتلقي شعوراً بأنه يشاهد فيلماً كلاسيكياً حقيقياً. وإلى جانب الصورة الآسرة، تبرز الموسيقى التصويرية للملحن الإيطالي الأسطوري إنيو موريكوني، الذي عاد بعد عقود من روائعه مع سيرجيو ليوني ليضع ألحاناً لفيلم غرب أمريكي. جاءت الموسيقى، خاصة في لحظات الذروة والمفاجأة الختامية، ممتعة ومبهرة للغاية.
كما نجح تارانتينو كالعادة في استخراج طاقات تمثيلية هائلة من طاقمه، مؤكداً أنه أحد أفضل مخرجي العالم في إدارة الممثلين. جمع الفيلم بين الوجوه المألوفة في سينماه وبعض الوجوه الجديدة، وصهرهم جميعاً في أداء جماعي متناغم. ويظل الأداء الأبرز من نصيب صامويل إل. جاكسون وجينيفر جيسون لي؛ فجاكسون، رفيق درب تارانتينو، قدّم أداءً مذهلاً يجسد أكثر شخصيات الفيلم خبثاً. أما جيسون لي في دور ديزي، فقد تلوّنت بين الكوميديا السوداء والشر المحض طوال الأحداث، وهو أداء يستحق الترشح للأوسكار. كذلك قدّم كورت راسل، الذي غاب فترات عن الأضواء، حضوراً قوياً، بينما كان مايكل مادسن وتشانينغ تاتوم الأقل بريقاً وسط هذا الطاقم الذهبي.
تحليل عقلية المخرج
يُعدّ «الحاقدون الثمانية» أكثر أفلام كوينتن تارانتينو شبهاً بالقنبلة الموقوتة. قد يبدو هذا الوصف دقيقاً للفيلم الثامن في مسيرته، لكن الحقيقة أن كل أفلام تارانتينو تشبه قنابل موقوتة جاهزة للانفجار، لذا فإن هذه الاستعارة ليست جديدة تماماً. أثناء مشاهدة سينماه، ننتقل دائماً من تمهيد طويل (حوارات ممتدة تولد توتراً مكتوماً بين الشخصيات) إلى انفجار مدوٍّ (سيل من العنف والموت)، ثم إلى تمهيد مشوق آخر يعقبه انفجار أعنف؛ وكأنما يزرع الألغام في نصه ويجبر شخوصه على العبث بأسلاك التفجير.
لكن المعادلة تختلف قليلاً في «الحاقدون الثمانية»؛ فصانع القنابل، القاسي والرحيم في آن واحد، قرر في هذا المشروع أن يصنع القنبلة الأكثر دقة في مسيرته. قنبلة لا تنفجر ثانية واحدة قبل أوانها أو بعده، بل تفعّل فتيلها في اللحظة الحاسمة تماماً. فبعد ساعتين من الاستماع إلى تكتكات العد التنازلي الموتر، يقذف بالمشاهدين إلى وليمة من الدم والجنون وسط صقيع يمتد لأميال. من هذا المنظور، يعتبر هذا الفيلم أكثر أعمال تارانتينو كلاسيكية وأقلها تجريبية؛ فإذا كان في «خيال رخيص» (Pulp Fiction) يتلاعب بالزمن والمونتاج، وفي «اقتل بيل» (Kill Bill) يروي قصته بشكل متعرج وفصول مجزأة، فإن «الحاقدون الثمانية» يبدأ من برودة تحت الصفر ويتصاعد خطياً وببطء حتى يصل غليان الذروة. إن تفريغ الطاقة المتراكمة على فترات متقطعة أمر سهل، لكن حبس تلك الطاقة لأكثر من ساعتين ثم إطلاقها دفعة واحدة هو العبقرية الإخراجية بعينها.

الاختلافات بين هذا الفيلم وباقي أعمال تارانتينو
في أفلام تارانتينو السابقة، كانت التحولات الدرامية والمفاجآت موزعة على طول الخط السردي، مما يمنح المتلقي فرصة لالتقاط أنفاسه بين موجات العنف. أما في «الحاقدون الثمانية»، فقد ادّخر المخرج الدقائق الـ45 الأخيرة من ملحمته ذات الثلاث ساعات ليفجر فيها كل المناورات، والخدع، والقرارات المصيرية، واضعاً الشخصيات في مأزق مكثف، وفاضحاً كل الأسرار المتراكمة دفعة واحدة. لذلك، عندما يشتعل فتيل الديناميت الأول، تتوالى الانهيارات الثلجية من قمة الجبل دون أن يملك أحد القدرة على إيقافها أو النجاة منها. هنا يصبح الفيلم خانقاً ومخيفاً، ليس فقط بسبب جغرافية المكان (كوخ منعزل) وظروف الطقس (عاصفة ثلجية)، بل لأن العقد الدرامية تتشابك وتغلق دفعة واحدة، مما يخلق شعوراً بالرهاب وضيق التنفس للمشاهد.
انتقد البعض الفيلم لافتقاره إلى الابتكارات الهيكلية غير المتوقعة التي عودنا عليها تارانتينو. ربما لا يملك الفيلم، كقصة جريمة وغموض، نفس تماسك «كلاب المستودع»، ولا يكسر قواعد السرد السينمائي كما فعل «خيال رخيص»، لكن التجديد الحقيقي هنا يكمن في التغيير الذي أدخله المخرج على فورمولته (صيغته) المعتادة. يكفي أن تكون قد شاهدت فيلماً واحداً لتارانتينو لتتوقع في فيلمه التالي الكثير من الـ«فلاش باك» والـ«فلاش فورورد»، والافتتاحيات الدموية، والأجواء الفانتازية. لا يمكن أن تتوقع من مخرج مجنون كأراوح أفلامه أن يلتزم الهدوء لساعتين؛ الابتكار هنا هو أنه لم يكرر مساره الإخراجي، بل طوّع أدواته الخاصة الصاخبة داخل إطار كلاسيكي مسرحي رصين، وكانت النتيجة مذهلة: فيلم بأجواء وحركية وشخصيات مغايرة تماماً ومغناطيسية الجذب.
نحن أمام سينمائي صاحب أسلوب فريد، وأحد أندر المخرجين الأحياء في ساحة السينما اليوم. لسنوات طويلة حاول الكثيرون تقليد وصفته السحرية، لكننا غالباً ما كنا نحصل على نسخ باهتة من الدرجة الثانية تفشل درامياً. وفي هذا السياق، نرحب بعودة العرّاب ليُعطي درساً في كيفية صنع السينما الحقيقية. في أسوأ أحواله، يذكرنا الفيلم بأنه لا أحد سوى تارانتينو قادر على إعادة تدوير أدواته السينمائية التي تجاوزت العشرين عاماً، وضخ الأدرينالين في عروقنا إلى أقصى حد، وتقديم تجربة سينمائية نادرة وخالدة في سينما السنوات الأخيرة.
تشريح شخصيات «الحاقدون الثمانية»
إن أحد أكثر العناصر جاذبية وأهمية في أفلام تارانتينو —والذي قد يغيب عن أنظار البعض— هو ذلك النظام الصارم والإيقاع المدروس الذي يضبط تحركاتها، على عكس الفوضى الظاهرية التي تطفو على السطح. وبفضل هذا الانضباط السردي والهدوء التمهيدي، ينجح الفيلم في إدارة أكثر من ثماني شخصيات رئيسية، ويمنحنا فرصة التعرف على أبعادها النفسية وسماتها الأخلاقية بعمق كافٍ. ولتحقيق ذلك، يكرّس تارانتينو أكثر من ساعتين من زمن الفيلم لتقديم المعلومات الجوهرية وبناء الحبكة، وبث روح الترقب والتوتر المكتوم، مستعرضاً شخوصه على مهل.
وبطبيعة الحال، نحن هنا أمام تارانتينو؛ سيد الحوارات الطريفة، المبتكرة والمفصّلة، والتي تسلّي المتلقي تماماً كما تفعل مشاهد الحركة (الأكشن). حتى تلك الانفعالات الهستيرية للشخصيات المتغطرسة وصراخها عند دق الأوتاد لإغلاق الأبواب، تصبح أكثر علوقاً بالذاكرة وجاذبية من مشاهد تبادل إطلاق النار النارية نفسها.
إن الشخصيات الثماني الرئيسة في الفيلم يتسابقون في النذالة، فكل واحد منهم أسوأ من الآخر وأكثر خبثاً. والشخصية الوحيدة التي تقترب ملامحها ظاهرياً من صيغة “البطل” هي الرائد ماركيوس وارن (صامويل إل. جاكسون). أما بقية الشخوص، فهم ليسوا سوى ثلة من الأوغاد المنافقين المجردين من الإنسانية، والذين يسحقون أي مبدأ من أجل المال أو الانتصار لأيديولوجياتهم الزائفة. ومع ذلك، فإن الحوارات التي صيغت على ألسنتهم تجذبك إليهم كما تجذب عيون الأفعى فريستها؛ إن تلاقي هذه الصفات السلبية يمنعنا من مجرد كراهية الشخصية الأشد قذارة في الفيلم، بل إننا عندما يفتح أحدهم فمه، ننصت إليه مأخوذين بما يقوله أو بالخطة الخبيثة التي يحيكها في ذهنه.

وتتجلى ذروة هذا التناقض البشري في شخصيتي جون روث (كورت راسل) وديزي دومرغ (جينيفر جيسون لي). فمثلاً، في ذروة الفصل الثالث، عندما تظهر ديزي غارقة في الدماء بعد تطاير أشلاء رأس أخيها، محاوِلةً التلاعب بالرائد ماركيوس والشريف كريس مينيكس، تختلط مشاعر المشاهد بشكل غريب؛ فبرغم علمنا اليقيني بأنها أفعى ماكرة، إلا أننا لا نملك سوى الشعور بالشفقة تجاهها. وكأن تارانتينو يخوض تجربة سيكولوجية ليرى إلى أي مخلوق من مخلوقاته المشوهة ستتجه عواطف الجمهور، وكيف تتبدل هذه العواطف على مدار الفيلم.
ومن أبرز إبداعات النص، تلك الفأس التي ضرب بها تارانتينو هيكل الشخصيات النمطية؛ فقبل مشاهدة الفيلم، إذا تأملت بطاقات الشخصيات (الشريف، صائد الجوائز، المجرم، المحارب القديم)، قد تتوقع مواجهة كليشيهات مكررة في سينما الغرب الأمريكي التقليدية. لكن تارانتينو تمرد على هذا الوعي المسبق والتوقعات الكامنة لدينا، ليستخرج من رحم هذه الأنماط الكلاسيكية شخصيات أكثر رعباً، وواقعية، وغير متوقعة. انظر مثلاً إلى جون روث، كم يبدو مختلفاً عن صائدي الجوائز في أفلام الـ«ويسترن» الأخرى؛ فهو يظهر كشخص سادي يستمتع برؤية ضحاياه يتلوون على حبل المشنقة بقدر استمتاعه بالمكافأة المالية. أو الشريف مينيكس، الذي يدعي الشرف في حين أنه أحمق المجموعة، ولهذا عندما يخرج من جحيم النهاية حياً ويتحول إلى شخصية معقدة، لا بد أن تصاب بالذهول.
إن التفاصيل الدقيقة التي أولاها تارانتينو لتصميم كل شخصية، جعلت المشاهد —رغم الأجواء الجامحة والعبثية للفيلم— يصدق هذه الشخوص أكثر من أي فيلم غرب أمريكي آخر. وثمة نقطة أخرى تتألق في بناء الشخصيات وهي ذكاؤها الحاد؛ فالجميع هنا، ككلاب الصيد، يشمون رائحة المؤامرة والتناقض في كل زاوية. وبحكم أنهم بشر عقلاء عاشوا في جحيم الغرب المتوحش، فهم يراقبون كل تفصيلة بعين ثاقبة ولا يفرطون في حذرهم أبداً. لذلك، عندما يقع أحدهم في الفخ، نشعر نحن أيضاً بانهيار داخلي، ونأخذ الخطر على محمل الجد، مقتنعين تماماً أنهم لا يمزحون عندما يضغطون على زناد أسلحتهم.
الكتابة الحوارية الفنية والسرد غير المتوقع
من البصمات المتكررة في سينما تارانتينو، هو مشهد الحوار الطويل المشحون بالتوتر والذي ينفجر بغتة في وجوهنا؛ تذكر مثلاً مشهد الحانة تحت الأرض في «أوغاد مجهولون» (Inglourious Basterds) أو حوار مائدة العشاء في قصر السيد كاندي في «جانغو». لقد قدّم تارانتينو لعشاق هذه المشاهد الأيقونية في «الحاقدون الثمانية» وجبة سينمائية فاخرة ومبهرة. فإذا استثنينا الفصول الأولى التي تدور داخل العربة وعلى الطريق، وبمجرد أن تجتمع الشخصيات في ذلك الكوخ النائي، نجد أنفسنا أمام أحد تلك الحوارات الطويلة الموتّرة، لكنه لا يمتد لعشرين دقيقة هذه المرة، بل يستمر لساعتين كاملتين!
حتى تلك اللحظة، نظن أننا أمام فيلم «ويسترن» شبه اعتيادي، لكن بمجرد أن تسكب يد مجهولة زجاجة السم في إبريق القهوة، يُفتح صنبور الموت في الفيلم، وتتحول النبرة فجأة إلى قصة غموض وجريمة يتوالى فيها القيء الدموي، وإطلاق النار، وتمزق اللحم، وتفتت العظام، مع كسر المخرج للجدار الرابع بذكاء، والاعتماد على الارتدادات الزمنية (الفلاش باك).

إن أول عنصر ينطبع في الذهن بعد فصل النهاية هو كم المنعطفات المفاجئة والمنطقية في آن واحد داخل الحبكة. بعض الأفلام تترنح عند تصميم التواء درامي واحد، لكن تارانتينو يبني مداميك قصته بهندسة بصرية وسردية بديعة، بحيث عندما نصل إلى اللحظات الأخيرة، يكفي أن تلمس قطعة واحدة لتنهار الجدران كلها بتتابع منظم: تجميع قطع اللغز للوصول إلى كرسي “سويت ديف” الملطخ بالدماء؛ الرصاصة الغادرة التي أُطلقت من القبو بين ساقي الرائد ماركيوس؛ انفجار رأس شقيق ديزي؛ السلاح المخفي تحت الطاولة؛ مؤامرة المسلحين الخمسة عشر التابعين لعصابة ديزي؛ عرض تحرير ديزي ومساومة الجثث؛ نفاذ ذخيرة ماركيوس؛ واحتمالية خيانة الشريف— والقائمة تطول. كما ترى، فإن نقاط التحول الدرامي متلاحقة جداً وتغير مسار القصة بشكل متواصل ومتعرج (زجزاجي) نحو وجهات غير متوقعة، وفي هذه اللحظات يصل عقل المشاهد إلى حالة من الانفجار الذهني الذي يعجز معه عن توقع الثانية التالية، مما يضاعف من أثر المفاجأة لكل حدث لاحق.
لكن الفوضى والعنف في أواخر الفيلم ليسا مجرد أداة رخيصة لإثارة التوتر؛ بل إن هذا العنف نفسه هو المختبر الذي يعرّي الشخصيات ويُظهر وجوهها الحقيقية. أي أن هدف تارانتينو من رسم لغز معقد ينتهي بنهاية دموية لم يكن مجرد تغيير إيقاع الفيلم أو متعة البحث والتحري عن القاتل، بل أراد من خلال الـ«أكشن» تشريح شخوصه وإبراز معدنها، ومن ثم الإشارة إلى الثيمة الدرامية التي تقبع تحت هذه الفوضى. فإذا كان تارانتينو قد قدّم في «خيال رخيص» نقداً اجتماعياً مبطناً، فإن «الحاقدون الثمانية» هو أول عمل له تتجلى فيه رسالته السياسية والضمنية بوضوح وصراحة.
قراءة ثانية في السيناريو وتحليل الأبعاد السياسية
تدور أحداث الفيلم في حقبة ما بعد الحرب الأهلية الأمريكية، حيث كانت النزاعات العرقية والاحتقانات الطبقية لا تزال تغلي في النفوس. الرائد ماركيوس هو الرجل الأسود الوحيد في المجموعة، وهو لا يثق بأي من البيض المحيطين به. وفي المقابل، لدينا جون روث ممثلاً لسلطة القانون، والذي يتحدث بأريحية مرعبة عن نزعته للعنف. وبين هذا وذاك، تبرز رسالة مزورة من أبراهام لنكولن موجهة إلى ماركيوس، يزعم فيها لنكولن الحديث عن مستقبل مشرق وخالٍ من النظرات العدائية بين الأعراق. إن واحدة من أكثر اللحظات صدمة في الفيلم هي عندما نكتشف أن هذه الرسالة مزيفة، وأن ماركيوس قد صاغها بنفسه فقط كدرع يحميه ويغير نظرة البيض إليه لتسهيل عبوره.
عندما نصل إلى تتر النهاية، ندرك أن كل هذه الدماء، والقتل، والضغائن الجامحة لم تكن مجرد وسيلة ترفيه سادية، بل كانت إعادة تمثيل مسرحي للصراع العرقي، ليس في تاريخ أمريكا فحسب، بل في العالم أجمع، استعرضها تارانتينو في مجسم مسرحي مصغر (مايكروكوزم) أمام أعيننا. ونحن هنا أمام مخرج عُرف بجرأته في قول ما يشاء دون اكتراث بالعواقب، ورؤيته لهذه الحقيقة في مجتمعنا المعاصر تبدو قاتمة وسوداوية ويائسة إلى حد بعيد.
في النهاية، لا يبقى في الكوخ سوى ثلاثة أشخاص: ماركيوس (الأسود)، الشريف كريس مينيكس (الأبيض)، وديزي (تجسيد الانقسام والصراع). في الدقائق الأخيرة، يرتمي ماركيوس ومينيكس جريحين في زاوية الغرفة، بينما يتحول وجه ديزي المحتقن بدمائها ودماء الآخرين إلى لوحة مرعبة تعكس هويتها الحقيقية، وتمنحها طابعاً شيطانياً يتجاوز الإنسانية. تحاول ديزي، عبر وعودها وإغراءاتها المادية، إفساد التحالف الهش بين الرجل الأسود والرجل الأبيض، مقنعةً مينيكس بقتل ماركيوس لتنجو بنفسها. ورغم أن الرجل الأبيض ينخدع لوهلة ويكاد يقبل صفقتها، إلا أن فقدانه المؤقت للوعي يدفع ديزي لمحاولة اقتناص السلاح، مما يكشف هدفها الحقيقي والقاتل أمام مينيكس.

هنا، نواجه واحدة من أكثر اللحظات درامية وتأثيراً في تاريخ أعمال تارانتينو؛ حيث يتلو مينيكس نص رسالة أبراهام لنكولن المزيفة بصوت متهدج، بينما يمتلئ نصف الكادر بأرضية ملطخة بالشلالات الحمراء، والنصف الآخر بجثة ديزي المتأرجحة بعد شنقها. هل سيأتي اليوم الذي تختفي فيه النظرات العدائية بين الأعراق؟ في الوقت الحالي، نحن داخل كوخ يعج بالجثث، نضحك بمرارة على تلك الرسالة الحالمة، بينما يتخيل أبطالنا المحتضرون هذه الفكرة الطوباوية الجميلة قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة.
أما من الناحية الفنية البحتة، فإن «الحاقدون الثمانية» يستحق إشادة وتصفيقاً حاراً؛ إذ إن عمق وتفاصيل الأداء التمثيلي لطاقم العمل تجعل من الصعب اختزال متعة مشاهدة كل ممثل على حدة. ومع ذلك، يمكن اعتبار كورت راسل وصامويل إل. جاكسون هما قطبا الرحى اللذان تحولا إلى مركز الجاذبية في الفيلم. وتحديداً جاكسون، الذي تحول مونولوجه الجنوني والمثير للجدل حول المصير الأسود الذي أذاقه لابن الجنرال سانفورد، إلى لحظة أيقونية خالدة في سينما تارانتينو، تذكرنا بقصة “الساعة الذهبية” في «خيال رخيص»، مانحاً جاكسون فرصة ذهبية لاستعراض جانب مرعب ومغاير من قدراته التمثيلية تحت قيادة هذا المخرج العبقري.
إن الكادرات واللقطات التي اختارها تارانتينو جاءت كلها في خدمة النص؛ انظر مثلاً كيف يضع الشريف مينيكس وهو يلامس فنجان القهوة المسموم في بؤرة التركيز (الفوكس)، بينما يترك وجه ديزي الشامت وجون روث الغافل في الخلفية، ليضخ ببراعة جرعة أدرينالين مكثفة في عروق المشاهد. أو تأمل لقطاته الطويلة (المشاهد المشهدية) التي نسجت بهدوء شديد ودون بهرجة بصرية مبالغ فيها داخل النسيج السردي، لدرجة أنك قد لا تلاحظ عبقريتها من المشاهدة الأولى.
الخلاصة
يمكن القول إن «الحاقدون الثمانية» هو عمل سينمائي من طراز رفيع، وأحد أبرز الأفلام في السنوات الأخيرة؛ فيلم صِيغت عناصره وأدواته بدقة بالغة ليأسر المشاهد على مدار ثلاث ساعات دون لحظة ملل واحدة. بلا شك، قد يبدو العمل أكثر محدودية من حيث المساحة والجغرافيا مقارنة بتحفة تارانتينو الخالدة «خيال رخيص»، ومع ذلك، فقد بلغ المخرج في خلق فضاءه الخاص ذروة النضج السينمائي. السيناريو هنا حاد ودقيق، الإخراج ذكي وبارع، الأداء الجماعي متماسك للغاية، والمقومات الفنية من موسيقى ومونتاج وتصوير تعد من الأفضل في عام عرضه. يمتلك الفيلم ما يكفي من عناصر القوة لإبهار أي متلقٍ، وهو دون شك واحد من أفضل ما قدمه تارانتينو في مسيرته.
إن «الحاقدون الثمانية» هو التجسيد الفعلي للتجربة السينمائية الفريدة؛ من تلك الأعمال النادرة التي توقظ شغف الفن السابع في داخلك. شخصيات تارانتينوية ثرثارة، مغرورة، وساحرة في آن واحد، كوخ معزول، أميال من الصقيع والثلوج، سرد منظم ومشدود، موسيقى موريكوني الآسرة، عنف صادم، وتجديدات ذكية أدخلها الكاتب على قوالبه القديمة— كل هذا جعل من الفيلم علامة فارقة لا تُنسى في أرشيف المخرج. بل إن الفيلم يقترب في كثير من فتراته من أجواء سينما الرعب (Horror)، لدرجة تجعلك تتساءل: ماذا لو صنع تارانتينو فيلم رعب خالص؟ ورغم أن الفيلم قد لا يكون ثورياً في بنيته، إلا أنه يظل تحفة سينمائية خالصة لا يقدر على صياغتها سوى رجل واحد اسمه كوينتن تارانتينو.
تقييم هيئة تحرير «عرب شوتايم» لفيلم «الحاقدون الثمانية»: 9 من 10.




