الرئيسيةالأفلاممراجعات الأفلاممراجعة فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another): هواجس يسارية!

مراجعة فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another): هواجس يسارية!

Google search engine

يُعدّ فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) أحدث تجربة سينمائية لبول توماس أندرسون لعام 2025، وهو واحد من أكثر الأعمال السياسية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة؛ فيلم يبتعد فيه المخرج عن العالم الداخلي للشخصيات ليغوص مباشرة في قلب الساحة السياسية. إن أندرسون، المعروف عادةً بسردياته النفسية واهتمامه بالعلاقات الإنسانية، يضع هذه المرة العالم الخارجي في مركز الاهتمام، مقدّماً روايةً حدّية، عنيفة ومشبعة بالأيديولوجيا، تُدخل المشاهد في صراع ممتد الجذور في تاريخ اليسار ونضالاته ضد السلطة. هذا التحوّل جعل الفيلم واحداً من أكثر أعماله تميّزاً، في انعطافة وصفها كثير من النقّاد بأنها «غير متوقعة» و«جريئة».

وعند النظرة الأولى، يبدو فيلم «معركة تلو الأخرى» عملاً سياسياً يجمع بين الأكشن والكوميديا، وهو مقتبس من رواية «فينلاند» (Vineland) للكاتب توماس بينتشون؛ وهي رواية عُرفت منذ البداية بروحها المناهضة للسلطة ونقدها للبُنى الأمنية ونظرتها اليسارية. لم يكتفِ أندرسون بالحفاظ على هذه النزعة السياسية في اقتباسه، بل قام بتعزيزها وتكثيفها. فالهجوم الذي تشنّه مجموعة «فرنش 75» (French 75) اليسارية على مخيم المهاجرين في الدقائق الأولى من الفيلم، يوضح أن المخرج لا يريد استخدام السياسة كخلفية زخرفية، بل كعمود فقري للسرد. ولهذا، وصف العديد من النقّاد — ومنهم صحيفة «الغارديان» (The Guardian) — الفيلم بأنه «عملية سرية مضادة للثقافة بطاقةٍ مستوحاة من القصص المصوّرة»، تُعيد قراءة سياسات الهجرة والعنف البنيوي بصورة معاصرة.

لكن ما يميّز الفيلم ويجعله يتجاوز كونَه عملاً سياسياً بحتاً، هو النظرة الرصدية التي يعتمدها أندرسون؛ نظرة تحاول الوقوف على الحياد، لكنها تميل في النهاية — وبشكل لا يمكن تجنّبه — إلى جانب القوى اليسارية. فشخصية «بريفيديا»، التي تجسّدها تيانا تايلور، تختزل هذه الازدواجية: مناضلة يسارية تجمع بين البطولة والخطأ؛ تقاتل وتخون؛ تحمل المبادئ لكنها تبيع البشر خوفاً على حياتها. هذا البناء غير الكلاسيكي دفع كثيراً من المحلّلين — ومنهم مجلة «نيويوركر» (The Yorker) — لوصف الفيلم بأنه «تصميم رمزي ضخم» يقمع علم النفس الداخلي للشخصيات لصالح بنية سياسية-أيديولوجية. وبإلغائه للبطولة الملحمية، يجعل أندرسون من «بريفيديا» قوةً واقعية؛ فهي ليست بطلة كلاسيكية، بل إنسانة محاصرة في قبضة العالم السياسي.

وإلى جانب هذا المحور السياسي، يحمل الفيلم أيضاً دراما إنسانية واضحة تتمثل في علاقة أب لابنته تتشكّل وسط هذه الفوضى، وتُعدّ نتيجة مباشرة للصراع بين اليسار واليمين. وعلى عكس فيلم «سيكون هناك دم» (There Will Be Blood) الذي كان عالم النفط فيه مجرد ذريعة لرحلة دانيال بلاينفيو الداخلية، فإن العالم الخارجي في «معركة تلو الأخرى» هو الذي يحدد مصير الشخصيات. وباستغنائه عن الوجودية المعتادة في أعماله، يدخل أندرسون عالماً جماعياً؛ عالماً تتخذ فيه البُنى السياسية القرارات بدلاً من الفرد. هذا التحوّل جعل الفيلم يحصد تقييماً مرتفعاً للغاية في المراجعات العالمية، بلغ 95 على موقع «ميتاكريتيك» (Metacritic)، وهو دليل دامغ على الاستقبال النقدي الواسع الذي حظي به.

وفي النهاية، فإن «معركة تلو الأخرى» فيلم يصعب حصره في تصنيف واحد؛ فهو سياسي وإنساني في آنٍ واحد، حدّي ومليء بالأفكار المتشابكة، ينتقده اليسار ويحتفي به في الوقت ذاته. ويبرهن أندرسون من خلاله على أن الهواجس اليسارية ليست مجرد تاريخ منقضٍ، بل ما زالت قادرة على تحريك السرديات الكبرى. ومع ذلك، فالفيلم ليس مناسباً لجميع الأذواق؛ فإيقاعه البطيء، وبناء شخصياته غير الكلاسيكي، ونهايته المثيرة للجدل — ولا سيما رسالة «بريفيديا» الأخيرة — قد تنفّر بعض المشاهدين. غير أن المهتمين بالسينما السياسية، والسرديات المناهضة للسلطة، والتجارب المختلفة، سيجدون في «معركة تلو الأخرى» واحداً من أهم أفلام السنوات الأخيرة.

إنفوغرافي يعرض معلومات شاملة عن فيلم «معركة تلو الأخرى» مع رسومات توضيحية وعناصر بصرية مرتبطة بالجوائز والطاقم والإنجازات.
إنفوغرافي فيلم «معركة تلو الأخرى» يكشف أبرز المعلومات والجوائز التي صنعت نجاحه العالمي.

نظرة على قصة فيلم «معركة تلو الأخرى»

تكشف القصة، وبناء الشخصيات، وتطور الأحداث في فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another)، منذ اللحظة الافتتاحية، عن رغبة بول توماس أندرسون في وضع العالم الخارجي في مركز السرد هذه المرة. فالهجوم الذي تشنّه مجموعة «فرنش 75» اليسارية على مخيم المهاجرين ليس مجرد افتتاحية مشحونة بالتوتر، بل هو نقطة انطلاق الدراما بأسرها؛ إذ يضع أندرسون الشخصيات داخل بنية سياسية محكمة، ويترك للقوى الخارجية مهمة تقرير مسار حياتهم. هذا الهجوم يزجّ بوب وابنته في دائرة من المطاردة، والهروب، والفوضى، والخيارات الأخلاقية؛ وهي دائرة تتعقّد تدريجياً مع تقدم الفيلم لتنسج الطبقتين السياسية والإنسانية معاً.

ويقوم بناء الشخصيات في هذا العمل على ردود أفعالهم تجاه العالم السياسي الخارجي، لا على علم النفس الداخلي كما جرت العادة في أعمال أندرسون. وتمثّل «بريفيديا»، إحدى أبرز شخصيات الفيلم، هذا النهج بوضوح: فهي مناضلة يسارية ليست بطلة كلاسيكية ولا بطلة مضادة، بل إنسانة عالقة بين الأيديولوجيا والخوف والمبادئ والبقاء. وقراراتها — بدءاً من سرقة البنك وصولاً إلى الخيانة وتغيير الهوية — لا تنبع من رحلة وجودية داخلية، بل تحت ضغط العالم السياسي المحيط بها. وبأسلوبه الحدّي، يجعل أندرسون حضور «بريفيديا» قصيراً لكنه شديد التأثير؛ فهي قوة تغيّر مسار السرد، حتى وإن توارى حضورها بعد الفصل الأول.

أما تطور الأحداث في «معركة تلو الأخرى»، فيستند إلى بنية متعددة الطبقات: طبقة سياسية، وأخرى تدمج بين الأكشن والكوميديا، وثالثة إنسانية. ويمزج أندرسون هذه الطبقات ليخلق إيقاعاً بطيئاً لكنه متواصل؛ إيقاعاً يجعل لكل حدث صغير أثراً كبيراً. فبعد الهجوم الافتتاحي، يدخل الفيلم مرحلة المطاردة، حيث يجد بوب وابنته نفسيهما في قلب تداعيات قرارات مجموعة «فرنش 75». ويذكّر هذا الجزء من الفيلم بكوميديا السبعينيات، مستحضراً أجواء «الويسترن» الحديث؛ وهو عالم تتبدل فيه باستمرار الحدود الفاصلة بين العدالة والفوضى والبقاء. ومن خلال التخلي عن الشرح الزائد، يتيح أندرسون للمشاهد تتبع السرد عبر الأفعال والصمت، وهو نهج يُميز هذا الفيلم عن أعماله السابقة المفعمة بالتفاصيل.

وفي الختام، يبلغ تطور الأحداث ذروته في لحظة تتجلّى فيها العلاقة بين الأب وابنته بوصفها جوهر الفيلم الإنساني. هذه العلاقة لا تنشأ في فراغ، بل تتخلق وسط صراع حامي الوطيس بين اليسار واليمين، مما يجعل العبء السياسي للفيلم يؤثر مباشرة في مصائر الشخصيات. وتأتي رسالة «بريفيديا» الأخيرة — التي يعدّها كثير من النقّاد نقطة ضعف — لتُكمل هذا المسار؛ إذ يحاول أندرسون من خلالها إضفاء معنى أخلاقي وإنساني على القرارات السياسية، غير أن هذا المسعى يدفعه أحياناً للابتعاد عن حياده الظاهري. ومع ذلك، فإن المسار السردي الذي يسبق هذه اللحظة يبرهن بجلاء على قدرة أندرسون الفائقة على حبك رواية متعددة الطبقات، تمتزج فيها السياسة والفعل الإنساني والبنية الحدّية لتصنع تجربة سينمائية استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة.

التحليل الأيديولوجي لفيلم «معركة تلو الأخرى»

يضع فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) الأيديولوجيا في صميم السرد، بخلاف كثير من أعمال بول توماس أندرسون السابقة التي كانت تتمحور حول العالم الداخلي للشخصيات — من دانيال بلاينفيو في «سيكون هناك دم» (There Will Be Blood) إلى ألما في «الخيط الخفي» (Phantom Thread). أما هنا، فالعالم الخارجي، أي السياسة ونضال اليساريين والعنف البنيوي وصراع السلطة، هو الذي يحدد مسار الشخصيات. ومنذ المشهد الافتتاحي، حين تهاجم مجموعة «فرنش 75» (French 75) اليسارية مخيم المهاجرين، يتضح أن السياسة ليست مجرد خلفية زخرفية، بل قوة دافعة لكل الأحداث. هذا الاختيار يضع الفيلم ضمن الأعمال التي تقدّم السياسة بوصفها «ساحة معركة أخلاقية»، تتشابك فيها المثالية والعنف والخيانة والبقاء.

يحاول أندرسون في هذا الفيلم تقديم القوى اليسارية بصورة واقعية لا رومانسية ولا بطولية؛ بل كقوى رمادية ومتناقضة أحياناً. وشخصية «بريفيديا» تمثل هذا النهج بوضوح:

  • تقاتل،
  • وتثير الفوضى،
  • وتسرق بنكاً،
  • وتزرع قنبلة،
  • وفي النهاية تخون وتنقذ نفسها بتغيير هويتها.
بوستر فيلم «معركة تلو الأخرى» يظهر مجموعة من النجوم العالميين وسط أجواء درامية وسياسية مشحونة.
بوستر «معركة تلو الأخرى» يجمع نخبة من أبرز نجوم هوليوود في ملحمة سياسية مثيرة.

هذا التصوير يحرّر اليسار من القالب الأسطوري ويحوّله إلى قوة بشرية هشّة. وقد وصف نقّاد مجلة «نيويوركر» (The New Yorker) هذا النهج بأنه «تصميم رمزي ضخم»، حيث يبني أندرسون الشخصيات كرموز سياسية لا كأبطال نفسيين. لكن هذا النهج يتعثر في نهاية الفيلم؛ فرسالة «بريفيديا» الأخيرة، التي تُعدّ شكلاً من أشكال التطهير الأخلاقي، تجعل أندرسون يبتعد عن حياده ليقف ضمنياً إلى جانب القوى اليسارية. وهذا ما دفع بعض النقّاد لوصف النهاية بأنها «شعاراتية» و«أيديولوجية».

ولا يكتفي الفيلم بتقديم القوى اليسارية، بل يوجّه نقداً حاداً لبنية السلطة أيضاً. فالهجوم على مخيم المهاجرين، وحضور القوات الأمنية، والمطاردات المستمرة، والأجواء المتوترة، كلها تستحضر النقد السياسي لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ تلك الحقبة التي كانت السينما فيها تنتقد الدولة والشرطة والأجهزة الأمنية وسياسات الهجرة بجرأة. وقد وصفت صحيفة «الغارديان» (The Guardian) الفيلم بأنه «عملية سرية مضادة للثقافة بطاقةٍ مستوحاة من القصص المصوّرة»، أي عملاً يستخدم الترفيه لتحدّي السلطة. هذا النهج يضع الفيلم في امتداد سينما مناهضة السلطة، من فيلم «فصيلة» (Platoon) لأوليفر ستون إلى فيلم «رذيلة متأصلة» (Inherent Vice) لأندرسون نفسه.

ومن أهم النقاط الأيديولوجية في الفيلم، أن أندرسون يبيّن أن الإنسان لم يعد يتخذ قراراته في فراغ؛ فالعالم السياسي الخارجي هو الذي يصوغ مصيره. ففي «سيكون هناك دم»، كان دانيال بلاينفيو سجيناً لعالم صنعه بنفسه؛ أما في «معركة تلو الأخرى»، فالشخصيات سجينة لعالم صنعه الآخرون — عالم سياسي عنيف وقاسٍ. فبوب وابنته، وبريفيديا، وحتى مجموعة «فرنش 75»، جميعهم محاصرون في قبضة البنى السياسية. هذا التحوّل ينقل الفيلم من الوجودية الفردية إلى الجماعية السياسية، وهو ما وصفه كثير من النقّاد بأنه «أجرأ انعطافة في مسيرة أندرسون».

إن «معركة تلو الأخرى» فيلم ينسج الأيديولوجيا في نسيج السرد. يحاول أندرسون أن يكون محايداً، لكنه يميل في النهاية — وبشكل لا يمكن تجنّبه — إلى جانب القوى اليسارية. الفيلم لا يمجّد اليسار ولا يدينه؛ بل يقدم صورة واقعية، رمادية وإنسانية للنضال السياسي. ويبرهن العمل على أن الهواجس اليسارية ما زالت قادرة على تحريك السرديات الكبرى — لكن بشرط أن تُقدّم بنظرة إنسانية، ونقد للسلطة، وتعقيد أخلاقي.

أسلوب إخراج بول توماس أندرسون في فيلم «معركة تلو الأخرى»

يُعدّ أسلوب إخراج بول توماس أندرسون في فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) واحداً من أكثر التحولات الفنية جرأة في مسيرته؛ تحوّل يبعده عن عالم السرد التفصيلي والنفسي الذي ميّز أعماله السابقة، ويكشف كيف يمكن لمخرج أن يبتكر لغة سينمائية جديدة في منتصف طريقه. ففي هذا الفيلم، وعلى خلاف «سيكون هناك دم» و«الخيط الخفي» و«ماغنوليا» (Magnolia)، يبتعد أندرسون عن الرحلات الداخلية للشخصيات، ليضع العالم الخارجي في مركز السرد. هذا التحوّل ينقل أسلوبه من سينما تتمحور حول الشخصية إلى سينما تتمحور حول العالم؛ عالم سياسي عنيف ومشحون بالأيديولوجيا، يبتلع الشخصيات ويحدد مصائرها.

ومن أبرز سمات إخراج أندرسون في هذا الفيلم الحدّية السردية (المينيمالية). فبدلاً من الاعتماد على التفاصيل والحوارات الطويلة والبناء النفسي المعقد، يلجأ هذه المرة إلى حذف الشرح والتفسيرات الكلاسيكية. ففي «معركة تلو الأخرى»، لا يبني أندرسون العالم الداخلي للشخصيات، بل يضعهم داخل بنية سياسية ويترك للأفعال والصمت والضغط الخارجي مهمة تشكيلهم. هذا النهج يصنع إيقاعاً بطيئاً لكنه مستمر؛ إيقاعاً يجعل لكل فعل صغير أثراً كبيراً، وكل صمت محمّلاً بمعانٍ سياسية. وقد وصفت «الغارديان» هذا الأسلوب بأنه «عملية سرية مضادة للثقافة بطاقةٍ مستوحاة من القصص المصوّرة».

وعلى المستوى البصري، يمزج أندرسون بين الواقعية الخشنة والسخرية السوداء؛ مزيج يذكّر بسينما السبعينيات والثمانينيات. فالإطارات الواسعة لساحات المعارك، واللقطات القريبة للوجوه المتعبة، والإضاءة الطبيعية، تجعل عالم الفيلم قريباً من الأفلام الوثائقية. لكن إلى جانب هذه الواقعية، تظهر لحظات كوميدية، ومبالغات بصرية، وإيقاعات مونتاجية مفاجئة، تمنح الفيلم طابع «الويسترن السياسي الحديث». هذه الازدواجية البصرية — بين الواقعية والطابع المستوحى من الكتب المصورة — هي إحدى بصمات أندرسون في هذا العمل، وقد دفعت مجلة «نيويوركر» لوصف الفيلم بأنه «تصميم رمزي ضخم».

إنفوغرافي يعرض مراجعة فيلم «معركة تلو الأخرى» مع لقطات من الشخصيات الرئيسية ومشاهد أكشن تعكس طابع الفيلم السياسي والدرامي.
إنفوغرافي «معركة تلو الأخرى» يقدم نظرة سريعة على قصة الفيلم وأجوائه السياسية المشحونة.

وفي إدارة الممثلين، يعتمد أندرسون نهجاً مختلفاً أيضاً؛ فبدلاً من الأداءات المبنية على التفاصيل النفسية كما في «الخيط الخفي» و«سيكون هناك دم»، يطلب من الممثلين هنا التفاعل مع عالم سياسي ضاغط. وتجسّد تيانا تايلور دور «بريفيديا» بامتياز وفق هذا النهج: فهي ليست بطلة كلاسيكية ولا بطلة مضادة، بل إنسانة تتخذ قراراتها تحت ضغط خارجي. وبفضل توجيه أندرسون الدقيق، تُعرّف الشخصيات من خلال الفعل والخوف والصمت والخيانة، لا من خلال الحوار. هذا الأسلوب يُميز الفيلم عن أعماله السابقة ويحوّله إلى تجربة سياسية-إنسانية فريدة.

وفي النهاية، يكشف أسلوب إخراج أندرسون في «معركة تلو الأخرى» عن قدرته الفذة على الابتعاد عن عالمه السردي التقليدي والدخول في فضاء جديد: فضاء السينما الأيديولوجية والسياسية والجماعية. هذا الفيلم ليس فقط واحداً من أكثر أعماله تميّزاً، بل يبرهن أيضاً على أن أندرسون ما زال قادراً على ابتكار عوالم جديدة، تتجاور فيها السياسة والعنف والسخرية والحدّية والدراما الإنسانية لتصنع تجربة سينمائية استثنائية.

ردود الفعل والجوائز

تُظهر ردود فعل النقّاد والمهرجانات تجاه فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) أن هذا العمل كان واحداً من أكثر الأفلام تميّزاً وإثارة للجدل في عام 2025. فمنذ الأيام الأولى لعرضه، حظي الفيلم بإشادة واسعة بسبب جرأته في اقتحام العالم السياسي وابتعاده عن الأسلوب المعهود لبول توماس أندرسون. وقد وصفت وسائل إعلام مثل صحيفتي «الغارديان» (The Guardian) و«نيويوركر» (The New Yorker) الفيلم بأنه «عملية سرية مضادة للثقافة» و«تصميم رمزي ضخم»، وهي أوصاف تؤكد أن الفيلم جذب انتمام النقّاد لا من حيث بنائه السردي فحسب، بل وكذلك من زاوية رؤيته الفكرية. هذا الاستقبال الواسع جعله يتصدر قوائم أفضل أفلام العام في العديد من الصحف والمجلات المرموقة، ليُعدّ واحدة من أجرأ التجارب السينمائية في مسيرة أندرسون.

وفي المهرجانات، حقق «معركة تلو الأخرى» حضوراً لافتاً؛ فقد رُشّح لعدة جوائز بارزة في محافل أوروبية وأمريكية، ونال اهتماماً خاصاً في فئات الإخراج، والسيناريو المقتبس، والتمثيل. وتُعدّ مشاركة تيانا تايلور في دور «بريفيديا» إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم، إذ أثنت لجان تحكيم عديدة على أدوائها غير الكلاسيكي وواقعيتها العالية. فهذه الشخصية، التي تتأرجح بين المثالية والخيانة، خطفت الأنظار لدرجة أن بعض النقّاد وصفوا أداءها بأنه «من أفضل أداءات العام». كما نال أندرسون تقديراً بالغاً لجرأته في تحديث أسلوبه الإخراجي، وهو تحوّل أثبت من خلاله قدرته الفائقة على خلق عوالم سينمائية جديدة ومختلفة.

أما ردود فعل الجمهور، فجاءت أكثر تبايناً؛ إذ رأى بعض المشاهدين أن الفيلم، بإيقاعاته البطيئة وسرده الحدّي وتركيزه الشديد على الشأن السياسي، يُمثل عملاً عسيراً وغير جاذب. في المقابل، اعتبر كثير من عشاق السينما السياسية وأعمال أندرسون أن الفيلم تجربة فريدة وقيّمة للغاية. ويبرهن هذا التباين في ردود الفعل على أن «معركة تلو الأخرى» ليس فيلماً موجهاً للعامة، بل هو عمل نخبوي موجه لجمهور ذي اهتمامات محددة. ومع ذلك، فإن التقييمات العالية التي حصدها — ومنها تقييم 95 على موقع «ميتاكريتيك» (Metacritic) — تؤكد نجاحه في ترسيخ مكانته بين أهم أعمال العام.

وفي الختام، يمثل «معركة تلو الأخرى» نموذجاً حياً للأفلام التي تعيد رسم الحدود الفاصلة بين السينما الفنية والسينما السياسية؛ فقد نجح العمل في لفت انتباه النقّاد وإثارة نقاشات محتدمة حول دور السينما في تمثيل الأيديولوجيات السياسية. وأثبت أندرسون من خلاله قدرته المتميزة على مغادرة العالم الداخلي للشخصيات نحو فضاء جديد لم يطرقه مطولاً في مسيرته. هذه الجرأة أهلت الفيلم للتألق في المهرجانات واحتلال مكانة مرموقة بين أفلام العام، ليغدو واحدة من أهم المحطات السينمائية في السنوات الأخيرة.

بوستر فيلم «معركة تلو الأخرى» يعرض أبطال العمل وسط مشاهد صراع وثورة في أجواء سياسية مشحونة.
بوستر «معركة تلو الأخرى» يكشف ملامح ملحمة سياسية مليئة بالتوتر والمواجهات.

معايير «الووك» (Woke) وردود الفعل غير المنصفة

يرى بعض النقّاد المستقلين ومتابعي السينما السياسية أن فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) قد حظي بإشادة نقدية تفوق قيمته الفنية الحقيقية، متأثراً بانجراف المهرجانات ووسائل الإعلام وراء معايير الثقافة التقدمية أو ما يُعرف بـ«الووك». ويشير هؤلاء إلى أن تركيز الفيلم على قضايا الهجرة، والعنف البنيوي للدولة، ونضال اليساريين، ونقد السلطة، قد كفل له تلقائياً اهتماماً مضاعفاً في مناخ ثقافي يتسم بحساسية مفرطة تجاه هذه الملفات. كما يلاحظون أن العديد من المهرجانات في الآونة الأخيرة باتت تميل إلى الاحتفاء بالأعمال ذات الرسائل الاجتماعية–السياسية «التقدمية»، بغض النظر عما تعانيه أحياناً من ترهل في الإيقاع أو ضعف في البناء السردي، وهو ما دفع بعض المشاهدين إلى وصم الفيلم بأنه «مبالغ في تقديره».

ويعتقد بعض المحلّلين أيضاً أن شخصية «بريفيديا» — بوصفها امرأة يسارية مقاتلة تجمع بين ضحية الظروف وفاعليتها — تتقاطع بقوة مع معايير «الووك»، الأمر الذي استقطب اهتماماً خاصاً من لجان المهرجانات. ويزعم هؤلاء أن رسم شخصية بريفيديا، رغم غناه الدرامي، ينحرف في نهايته عبر رسالتها التطهيرية نحو ما يشبه «صناعة البطل الأيديولوجي»، وهو ما يعتبره بعض النقّاد دليلاً على تخلي الفيلم عن حياده واقترابه من السرديات السياسية المفضلة لدى الإعلام السائد. ويرى هذا الفريق أن المهرجانات دأبت على تبني شخصيات كهذه لتورطها المباشر في الخطاب الرائج حول العدالة الاجتماعية والمقاومة ومناهضة السلطة.

وفي النهاية، يخلص بعض النقّاد المستقلين إلى أن «معركة تلو الأخرى» قد ظفر بتقدير مبالغ فيه ضمن المحافل الفنية لتوافق أطروحاته مع المناخ الثقافي-السياسي الراهن؛ وهو مناخ يسبغ عناية خاصة على الأعمال السينمائية التي تتخذ من الهجرة، ونقد الدولة، ونضال اليسار مواضيع محورية لها. ويؤكد هؤلاء أنه لو قُدر للفيلم أن يُنتج في حقبة أقل حساسية تجاه هذه القضايا، لما نال هذا الكم من التبجيل النقدي. ورغم اتفاق هيئة تحرير «عرب شوتايم» جزئياً مع هذه الطروحات النقدية، إلا أن هذه الرؤية لا تبخس الفيلم قيمته الفنية المستحقة، بل تدلل على أن جانباً من الحفاوة به قد انبثق من تماهيه مع المتطلبات الثقافية والسياسية السائدة. ويعكس هذا الجدل برمته أن «معركة تلو الأخرى» يتجاوز كونه مجرد شريط سينمائي سياسي، ليتحول إلى ظاهرة ثقافية تتخطى حدود التلقي السينمائي التقليدي.

الخلاصة

يؤكد فيلم «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another) أن بول توماس أندرسون لم يقتصر على شق مسار جديد في مسيرته الحافلة، بل ولج كذلك فضاءً نادراً ما طرقه: فضاء السياسة والأيديولوجيا والصراعات الجماعية. فمن خلال تخليه عن العوالم الداخلية للشخصيات وانشغاله بالمتغيرات الخارجية، قدّم تجربة سينمائية مغايرة تماماً؛ تجربة تتقاطع فيها قضايا الهجرة، والعنف البنيوي، ونضال اليسار، ونقد السلطة، لتشكل الأركان الأساسية للبناء السردي. هذا التحول الجذري ضمن للفيلم إشادة نقدية عارمة، وفي الوقت ذاته أثار ردود فعل متباينة لدى الجمهور العام، لكونه عملاً نخبوياً مخصصاً لشريحة معتدّ بنفسها من المشاهدين.

وعلى الرغم من هذا الطابع السياسي المهيمن، يحافظ الفيلم على لمسات أندرسون الإنسانية المعهودة؛ فعلاقة الأب بابنته، التي تتخلق في أتون الفوضى، تجسد بوضوح قدرة السياسة على العبث بالمصائر الفردية. كما تظل شخصية «بريفيديا» تجسيداً رمزياً لليسار المعاصر، وإحدى أكثر الشخصيات تعقيداً وإثارة للجدل في السينما الحديثة؛ إذ تتأرجح ببراعة بين المثالية والخيانة، وبين جنوح المقاومة وحتمية البقاء، مما جعلها ركيزة أساسية في قوة العمل. ومع ذلك، فإن الخاتمة — ولا سيما رسالة بريفيديا التطهيرية — قد عرضت أندرسون لاتهامات بالحياد الأيديولوجي والانحياز لسرديات سياسية محددة، وهو جدل نقدي ما فتئ مستمراً.

وخلاصة القول، يمكن اعتبار «معركة تلو الأخرى» علامة فارقة تعيد ترسيم الحدود بين السينما السياسية والسينما الفنية وسينما الشخصيات. فهو يسجل ببراعة قدرة الهواجس اليسارية، ونقد السلطة، والسرديات المناهضة للبنى التقليدية على إثراء القصص الكبرى متى ما قُدمت برؤية إنسانية، وحدّية، وجسارة فنية مشهودة. ويثبت أندرسون عبر هذا الإنجاز أنه يمتلك القدرة على ابتكار عوالم بكر، تتجاور فيها السياسة والعنف والسخرية والدراما الإنسانية لتنسج معاً تجربة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وإذا كان الفيلم لا يلائم أذواق كافة المشاهدين، فإنه يبقى بلا أدنى شك واحداً من أهم وأبرز الأعمال السينمائية في السنوات الأخيرة، محتلاً موقعاً فريداً في مسار تطور سينما أندرسون.

تقييم هيئة تحرير “عرب شوتايم” لفيلم «معركة تلو الأخرى»: 6 من 10

ما رأيك أنت في فيلم «معركة تلو الأخرى»؟ نرجو أن تشاركنا رأيك في قسم التعليقات، وأن تخبرنا: ما التقييم الذي تمنحه لهذا الفيلم؟

Google search engine

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

أحدث

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine