الرئيسيةمراجعات المسلسلاتمراجعة مسلسل "بريكينغ باد" (Breaking Bad): تحفة في فن السرد القصصي

مراجعة مسلسل “بريكينغ باد” (Breaking Bad): تحفة في فن السرد القصصي

Google search engine

مسلسل “بريكينغ باد” هو عمل تلفزيوني أمريكي ينتمي إلى فئة دراما الجريمة والـ “نيو-ويسترن” (الويسترن الحديث)، وهو من ابتكار ورؤية الكاتب فينس غيليغان. عُرض المسلسل على شبكة “AMC” في خمسة مواسم متتالية امتدت من عام 2008 حتى 2013، بواقع 62 حلقة. ويؤدي الممثل برايان كرانستون دور البطولة مُجسّداً شخصية “والتر وايت”؛ معلم الكيمياء العبقري في المرحلة الثانوية الذي ينخرط في عالم تصنيع المخدرات. بينما يشاركه البطولة الممثل آرون بول في دور “جيسي بينكمان”، طالب والتر السابق وشريكه في الجريمة. كما يضم العمل نخبة من الممثلين البارزين، مثل: آنا غان، وأر جيه ميت، ودين نوريس، وبتسي براندت، وبوب أودينكيرك.

تدور قصة المسلسل حول “والتر وايت”، وهو رجل يكتشف إصابته بسرطان الرئة، فيقرر دخول عالم إنتاج وبيع مخدر “الميثامفيتامين” (الكريستال ميث) بهدف تأمين المستقبل المالي لعائلته قبل وفاته. وبصحبة جيسي بينكمان، يغوص والتر تدريجياً في مستنقع هذا العالم المظلم والوحشي. لا يكتفي المسلسل برصد الجانب الإجرامي فحسب، بل يستعرض بعمق التحولات النفسية والأخلاقية الصادمة التي يمر بها والتر والشخصيات المحيطة به.

حظي “بريكينغ باد” بإشادة نقدية واسعة وجماهيرية طاغية؛ بفضل حبكته السردية المحكمة، والبراعة الفائقة في بناء الشخصيات المعقدة، تميز التصوير، والرؤية الإخراجية المبهرة، مما جعله واحداً من أكثر المسلسلات شعبية وتقديراً في تاريخ التلفزيون. وتوّج هذا النجاح بحصد العمل لعديد من الجوائز المرموقة، أبرزها جوائز “إيمي” (Emmy Awards) التي نالها طاقم التمثيل وصناع العمل، ليتربع المسلسل على عرش أفضل الأعمال في تاريخ دراما الجريمة.

كواليس صناعة المسلسل “بريكينغ باد”

طاف فينس غيليغان بأفكار “بريكينغ باد” على شبكات تلفزيونية عديدة، مستنداً إلى سنوات خبرته الطويلة في الكتابة والإنتاج لشاشات شبكة “فوكس” من خلال مسلسل “The X-Files”، إلا أن فكرته قوبلت بالرفض في بادئ الأمر. وفي نهاية المطاف، عرض المشروع عام 2007 على مسؤولي شبكة “AMC” الذين وافقوا على إنتاج الحلقة التجريبية (Pilot) لتقييم الجدوى الفنية والتجارية للمسلسل.

تُعرف شبكة “AMC” بإنتاجها لأعمال درامية كبرى مثل “Mad Men” و”The Walking Dead” و”Hell On Wheels”. وأثناء التجهيز للعمل، لاحظ غيليغان تشابهاً في الخطوط العريضة لقصته مع مسلسل “Weeds”، وفكر جِدياً في إيقاف المشروع، لولا أن المنتجين طمأنوه بوجود فروق جوهرية شاسعة بين العملين. ولاحقاً، اعترف غيليغان بصراحة أنه لو كان على علم بوجود مسلسل “Weeds” من قبل، لما شرع في صناعة “بريكينغ باد”.

إنفوجرافيك لمسلسل «بريكينغ باد» (2013-2008)

ومع إسدال الستار على المسلسل، أجمع النقاد على الثناء عليه، واصفين إياه بأنه “أعظم دراما تلفزيونية في التاريخ”. وترشح غيليغان مرات عدة لجوائز الإخراج والكتابة وحصد بعضها. ومن الجدير بالذكر أن إخراج وتصوير حلقات المسلسل أُسند إلى مخرجين متعددين؛ حيث قام برايان كرانستون (بطل العمل) ورايان جونسون (مخرج فيلم Looper عام 2012) بإخراج ثلاث حلقات لكل منهما.

ويعتبر قطاع عريض من النقاد والمشاهدين الحلقة الرابعة عشرة من الموسم الخامس، والتي حملت عنوان “أوزيماندياس” (Ozymandias) وأخرجها رايان جونسون، أفضل حلقة عُرضت في تاريخ التلفزيون على الإطلاق؛ إذ مزجت بين مشاعر الخوف، والترقب، والدراما، والإثارة، والشجن إلى أقصى حد ممكن. وقد نالت هذه الحلقة تقييماً كاملاً بلغ (10 من 10) بناءً على تصويت المستخدمين والنقاد على موقع “IMDb”.

حظي المسلسل كذلك بإشادة استثنائية لاهتمامه البالغ بالتفاصيل الدقيقة، لا سيما في تناول الجوانب العلمية والكيميائية المتعلقة بتصنيع مادة “الكريستال ميث” وآليات توزيعها. وكانت شخصية “جيسي بينكمان” من الشخصيات الأقرب إلى قلوب المشاهدين، حيث شكلت رحلة تحوله من تاجر مخدرات هاوٍ ومشتت إلى ناجٍ صلب، محوراً أساسياً في نجاح العمل. كما لم يغفل “Breaking Bad” عن تسليط الضوء على قضايا اجتماعية وثقافية معقدة كالإدمان، والفقر، وأزمات نظام الرعاية الصحية.

بشكل عام، يظل “Breaking Bad” علامة فارقة في صناعة الترفيه، واضعاً معايير جديدة للسرد القصصي المتسلسل وتطور الشخصيات، ويمكن بوضوح التماس تأثيره في العديد من الأعمال اللاحقة، ليظل مرجعاً ثقافياً ملهماً لجمهوره حول العالم.

من المفارقات أن المبتكر فينس غيليغان أراد في البداية أن يحمل المسلسل طابع “الكوميديا السوداء”، لكنه تحول في النهاية إلى دراما جادة وصارمة. ويعد عنوان المسلسل (Breaking Bad) تعبيراً عامياً أمريكياً يعني “الانحراف عن المسار” أو “التمرد على القواعد والأنظمة”، وهو ما يلخص بدقة رحلة الشخصية المحورية التي تكسر كافة الأعراف والخطوط الحمراء.

نظرة على بناء الشخصيات في “بريكينغ باد”

لا يضم المسلسل عدداً ضخماً من الشخصيات مقارنة بأعمال أخرى ذات خطوط زمنية مشابهة، وهو ما أتاح لصناع العمل التركيز على بناء الشخصيات كعنصر جذب وتشويق أساسي. وسواء كانت الشخصيات رئيسية أم ثانوية، فقد عُولجت جميعها بعناية فائقة ولم يُهمل أي جانب من جوانبها.

والتر وايت (برايان كرانستون): رجل عائلي، يبدو في البداية ساذجاً وغير محظوظ، ويصرح لاحقاً بأنه لم ينل ما يستحقه من تقدير في حياته. لكن دخوله عالم الميثامفيتامين يغير تركيبته النفسية تدريجياً، ليتحول من مواطن ممتثل للقانون إلى “هايزنبرغ”؛ طاغية عالم المخدرات. وسرعان ما تنتشر شهرة “هايزنبرغ” بفضل النقاء الفائق لمنتجه وقسوته في عالم الجريمة، وهو أمر يستمتع به والتر كثيراً؛ فللمرة الأولى يشعر بمكانة رفيعة وسطوة في حياته — حتى وإن كانت في الجانب المظلم — ويبدأ في تقبل وحشه الداخلي. ومن عناصر جاذبية الشخصية توظيفه الذكي للعلوم؛ إذ يعتمد على معادلات ومخططات علمية لتنفيذ مهامه الخطرة. والتر، الذي كان يستغرق أياماً لاتخاذ قرار التخلص من شخص ما، يتحول لاحقاً إلى قاتل بدم بارد لحماية نفسه وإمبراطوريته. ورغم ذلك، يظل الجمهور متعاطفاً معه في معظم الأحيان، كونه يجسد نموذج “البطل الضد” (Anti-Hero). ويصفه عالم النفس كليف أرنال بأنه يجسد بعض أشهر الخيالات الذكورية؛ فبدلاً من الانصياع للتيار الروتيني، وجد والتر طريقته الخاصة ليتحرر، وهو ما يطمح إليه كثير من الرجال. قدم كرانستون في هذا الدور أحد أعظم الأداءات في تاريخ الشاشة الفضية، ونال عنه جائزة “إيمي” لأفضل ممثل رئيسي لثلاث سنوات متتالية. وقد اندمج كرانستون في الدور لدرجة الدخول في مشاحنات خلف الكواليس مع الممثل الذي أدى دور “تيد بينيكي”. ووفقاً لغيليغان، كان الهدف الفني هو تحويل الشخصية تدريجياً من معلم طيب يشبه “مستر شيبس” (Mr. Chips) إلى رجل عصابات مرعب يشبه “توني مونتانا” في فيلم (Scarface).

جيسي بينكمان (آرون بول): شاب مستهتر لا يعرف من الحياة سوى التعاطي، والحفلات، والبحث عن المتعة السريعة. يمثل جيسي النقيض التام لوالتر؛ فوالتر عقلاني وعلمي، بينما جيسي عاطفي وحساس؛ ووالتر منظم ورب أسرة، وجيسي فوضوي ويعيش في عزلة. وحتى في لغة جسده وطريقة حديثه، يظهر جيسي بمظهر غريب وثياب فضفاضة رثة. ورغم تظاهره باللامبالاة، إلا أنه يتأثر بعمق، ونراه مراراً يعاني من تأنيب الضمير والجلد الذاتي بسبب أحداث ماضية، لاسيما بعد فقدانه لبعض المقربين. شكل جيسي ووالتر ثنائياً فريداً ومتناقضاً، قدما من خلاله لحظات كوميدية، ومؤلمة، ومثيرة في آن واحد. وذكر غيليغان في مقابلة أنه كان ينوي إنهاء حياة شخصية جيسي في الموسم الأول، إلا أن الأداء المبهر للممثل آرون بول جعله يتراجع عن القرار ويعيد كتابة المواسم التالية ليكون ركيزة أساسية. ويعد جيسي ووالتر الشخصيتين الوحيدتين اللتين ظهرتا في جميع حلقات المسلسل الـ 62.

سكايلر وايت (آنا غان): زوجة والتر، وهي الشخصية التي نالت كراهية قطاع كبير من المشاهدين بشكل غريب! سكايلر امرأة ذكية، لماحة، وقوية، لا تنطلي عليها أكاذيب والتر بسهولة، وعندما تكتشف حقيقته تصدر عنها ردود أفعال تضع عقبات أمام مخططاته. في بعض المراحل تنتقم من والتر بطرقها الخاصة، وفي مراحل أخرى تضطر للتعاون معه وقبول هويته الجديدة لحماية عائلتها، لكن الصراع الداخلي حول أخلاقية وصواب أفعالهما يظل محتدماً حتى النهاية.

الصورة الوصفية لمسلسل «بريكينغ باد» (2013-2008)

والتر جونيور (آر جيه ميت): ابن والتر وسكايلر. قد يظن المشاهد أن غيليغان استعان بممثل معافى يمثل دور ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن الأمر صحيح جزئياً؛ فالممثل آر جيه ميت يعاني بالفعل من شلل دماغي في الواقع، لكن بدرجة أقل حدة من الشخصية التي جسدها، وقد نجح في تطويع مشيته وطريقة كلامه لتقديم أداء مقنع ومؤثر تماماً للمشاهدين.

هانك شريدر (دين نوريس): صهر والتر وضابط بارز في إدارة مكافحة المخدرات (DEA). يتمتع هانك بخفة ظل تضفي طابعاً كوميدياً ترويحياً على أجواء المسلسل، وفي الوقت نفسه، تشكل مهارته وحسه الأمني العالي في ملاحقة المجرمين مصدر القلق الأكبر لوالتر وجيسي. كثيراً ما كان والتر يستمع إلى معلومات سرية حول سوق “الميث” وصراعات العصابات من هانك دون أن يشعر الأخير، ويستغلها لصالحه، لكن هذه الميزة تتحول لاحقاً إلى تهديد مباشر يقوض حياته. يعد هانك بلا شك من أكثر الشخصيات المحبوبة في العمل. وإلى جانبه تظهر زوجته “ماري” (بتسي براندت) — شقيقة سكايلر — التي تعاني من اضطراب نفسي يدفعها لسرقة المتاجر (الكلمبتومانيا)، مما يسبب لها أزمات مستمرة في علاقتها مع هانك وسكايلر. كما يبرز زميل هانك، المحقق “ستيف غوميز” (ستيفن مايكل كوزادا)، الذي يساهم بفعالية في دفع عجلة الأحداث رغم مساحة دوره الصغيرة.

غوستافو فرينغ “غاس” (جيانكارلو إسبوزيتو): يقتحم المسلسل بقوة في الموسمين الثالث والرابع، ويعد من أغرب شخصيات المرتكزات الإجرامية وأكثرها عمقاً. لا يمكن لأحد أن يتوقع أن صاحب سلسلة مطاعم شهيرة، والداعم البارز لإدارة مكافحة المخدرات، هو نفسه أحد أكبر أباطرة التهريب في المنطقة. إن هدوء غاس الشديد، وحذره المفرط، وسيطرته المطلقة على انفعالاته ومن حوله، جعلت منه “شريراً جذاباً” يثير الإعجاب والخوف معاً.

مايك إيرمينتراوت (جوناثان بانكس): الذراع اليمنى لـ “غاس فرينغ”، وهو رجل مسن غامض يتولى المهام المتعددة والمعقدة؛ من اغتيالات، وتطهير لمسارح الجريمة، وحماية الشحنات. وعلى غرار والتر وايت، تكمن دوافع مايك الأساسية في رغبته بتأمين إرث مالي ضخم لحفيدته بعد رحيله.

سول غودمان (بوب أودينكيرك): من أكثر الشخصيات غرابة وشعبية في تاريخ التلفزيون. هو محامٍ لا يقتصر عمله على الاستشارات القانونية التقليدية، بل يتعداها إلى غسيل الأموال، وابتكار الحيل والالتفاف على القانون. يفعل سول كل ما يلزم لحماية موكليه (والتر وجيسي)، ومع ذلك يظل يشعر بأنه لا ينال التقدير الكافي. اشتق اسم الشخصية من النطق السريع للعبارة الإنجليزية “It’s all good, man” (كل شيء على ما يرام يا صاح)؛ وهو ما يعكس طبيعة عمله في إدارة الأزمات المستعصية وإيجاد مخارج لها. يشبه العديد من المعجبين دوره بزر الاختصار الإسعافي (Ctrl+Alt+Delete) في الحاسوب. وفي عام 2013، أعلن فينس غيليغان عن استمرار هذه الشخصية في مسلسل مشتق خاص بها حمل عنوان “Better Call Saul”، والذي حقق بدوره نجاحاً نقدياً وجماهيرياً هائلاً.

تفاصيل صنعت من “بريكنغ باد” تحفة فنية

لعبت مدينة “ألبوكيركي” في ولاية نيو مكسيكو، حيث صُوِّر المسلسل، دوراً جوهرياً في رسم الهوية البصرية للعمل؛ إذ ساهمت طبيعتها الجغرافية القاحلة وعمارتها المميزة في خلق أجواء فريدة عززت من نبرة العزلة والترقب. كما وظف المسلسل الرمزية و”اللازمات البصرية المكررة” (Motifs) بذكاء شديد، ولعل أبرزها اللون الأزرق الذي ارتبط دائماً بمخدر “الميثامفيتامين” النقي الذي يصنعه والتر وايت.

تميز المسلسل بتوجه بصري صارم لافت للانتباه، تجلى في الاعتماد المكثف على اللقطات الواسعة (Wide Shots)، واستخدام الألوان الباهتة ذات التباين العالي (High Contrast)، مما ساهم في ترسيخ مسحة سينمائية سوداوية ونوارية (Neo-Noir) تتماشى مع طبيعة القصة المظلمة.

ولم يقتصر نجاح “بريكينغ باد” على الإشادة النقدية فحسب، بل حقق نجاحاً تجارياً قياسياً؛ إذ استقطبت الحلقة الختامية أكثر من 10 ملايين مشاهد عند عرضها الأول. وبذلك، أصبح العمل واحداً من أكثر المسلسلات مشاهدة وإثارة للجدل والنقاش في القرن الحادي والعشرين، ولا يزال إرثه يلقي بظلاله على صناعة الإنتاج التلفزيوني حتى اليوم.

تُرجم هذا التميز إلى حصد العديد من الجوائز؛ حيث فاز برايان كرانستون بأربع جوائز “إيمي برايم تايم” (Primetime Emmy) عن تجسيده الأسطوري لشخصية والتر وايت، بينما نال آرون بول ثلاث جوائز عن دور جيسي بينكمان. كما فاز العمل مرتين بجائزة أفضل مسلسل درامي في الحفل نفسه.

البطاقة التعريفية لمسلسل «بريكينغ باد» (2013-2008)

مفارقات من خلف الكواليس

من الأسرار المثيرة في كواليس العمل، أن شخصية “غاس فرينغ” — زعيم المخدرات ذو الدم البارد الذي أصبح الخصم الرئيسي في المسلسل — كان مقدراً لها في السيناريو الأصلي أن تظهر في ثلاث حلقات فقط. إلا أن الأداء الآسر والمبهر للممثل جيانكارلو إسبوزيتو دفع الكتاب إلى التراجع وتوسيع مساحة الشخصية بشكل كبير لتصبح ركيزة أساسية في صراع الإمبراطوريات.

الأمر نفسه تكرر مع شخصية “سول غودمان”، المحامي الصاخب والمحتال؛ حيث كان مقرراً ظهوره في ثلاث حلقات فقط أيضاً. لكن الكيمياء الفنية العالية التي أظهرها بوب أودينكيرك مع بقية طاقم التمثيل أجبرت الكتاب على منحه دوراً محورياً في عالم الجريمة بالمسلسل، وهو ما قاد في النهاية إلى إنتاج مسلسل مشتق خاص به يحمل عنوان “Better Call Saul”.

يشتهر “بريكينغ باد” بامتلاكه واحدة من أفضل النهايات في تاريخ التلفزيون؛ فالحلقة الأخيرة التي حملت عنوان “فيلينا” (Felina) أسدلت الستار على الحكاية بطريقة عاطفية ملحمية ومُرضية للجمهور والنقاد على حد سواء، ولا تزال حتى يومنا هذا مادة دسمة للتحليل والنقاش بين المعجبين.

حظي المسلسل بالثناء أيضاً لتقديمه شخصيات نسائية معقدة ومكتوبة بعناية فائقة مثل “سكايلر وايت”، وامتد هذا التميز في الكتابة النسائية لاحقاً ليشمل شخصية “كيم ويكسلر” في المسلسل المشتق (Better Call Saul). ومع ذلك، لم يسلم العمل من بعض الانتقادات الطفيفة المتعلقة بكيفية التعامل مع بعض الشخصيات من أصول عرقية متنوعة وتأطيرها.

عقبات الإنتاج والحلول الإبداعية

رفضت شبكة “HBO” الفكرة عندما عُرضت عليها في البداية، لتبنتها بعد ذلك شبكة “AMC”. ورغم ذلك، واجه الموسم الأول قيوداً حتمية في الميزانية، مما اضطر الكتاب إلى استغلال عناصر السرد ومواقع التصوير المتاحة بطرق إبداعية مبتكرة لتعويض النقص المالي، وهو ما خلق أسلوب المسلسل الفريد.

أما شارة المقدمة الموسيقية الأيقونية للمسلسل، فكانت من تأليف ديف بورتر، وجرى اعتمادها بعد إنتاج الحلقة الأولى؛ إذ كان صناع العمل ينوون في البداية استخدام أغنية أخرى للمقدمة، لكنهم تعذر عليهم الحصول على حقوق ملكيتها الفكرية، فكانت النتيجة ولادة مقطوعة موسيقية حفرت اسمها في ذاكرة المشاهدين.

استند المسلسل إلى دقة علمية متناهية؛ حيث استشار صناع العمل علماء كيميائيين ومحققين حقيقيين لضمان واقعية تصنيع “الميث البلوري” وآليات توزيعه، وكان هناك مستشار علمي متواجد بشكل دائم في موقع التصوير لمراجعة المعادلات والعمليات.

كما ساهم استخدام تقنيات السرد غير الخطي، مثل الاستباق المحوّع (Flash-forward) والارتداد الزمني (Flashback)، في حبس أنفاس المشاهدين وخلق حالة من التوتر المستدام. ونال هيكل المسلسل وإيقاعه المتصاعد (Pacing) ثناءً هائلاً كأحد الأسباب الجوهرية لنجاحه. وقد انعكست هذه الأجواء الإيجابية خلف الكواليس؛ إذ عُرف طاقم التمثيل بروابط الصداقة المتينة وبيئة العمل الداعمة التي سادت طوال سنوات التصوير.

بسبب تعقيد السرد، اتُّخذ قرار بتقسيم الموسم النهائي إلى جزأين؛ عُرضت الثماني حلقات الأولى منه في عام 2012، وبُثت الثماني الأخيرة في عام 2013، وذلك لمنح الكتاب والمنتجين الوقت الكافي لإنهاء الخطوط الدرامية بشكل مثالي ومُرضٍ.

الصورة الوصفية لمسلسل «بريكينغ باد» (2013-2008)

الأبعاد الفلسفية والتأثير الثقافي

برع المسلسل في دمج “الكوميديا السوداء” وخاصة في مواسمه الأولى، مما ساهم في موازنة اللحظات الدرامية الشديدة وخلق نبرة فريدة خاصة بالعمل. كما عرض المسلسل قضية الإدمان وتأثيرها المدمر على الأفراد والمجتمع بواقعية وحساسية مفرطة، ونالت شخصية جيسي بينكمان اهتماماً نقدياً خاصاً لتجسيدها المعقد لرحلة السقوط في الإدمان ومحاولات التعافي المريرة.

ترك “بريكينغ باد” بصمة لا تُمحى في الثقافة الشعبية العالمية، وظهر تأثيره واضحاً من خلال الإشارات التكريمية له في مختلف وسائل الإعلام، بدءاً من الأغاني المصورة (الفيديو كليب) وصولاً إلى ألعاب الفيديو والمسلسلات الأخرى.

علاوة على ذلك، نجح العمل في تقديم دراسة حالة نفسية معمقة؛ حيث قورنت رحلة والتر وايت برحلات أبطال ضد اضداد (Anti-Heroes) أيقونيين مثل “توني سوبرانو” (The Sopranos) و”دون دريبر” (Mad Men). وتُعد تحولات والتر من معلم مثير للتعاطف إلى طاغية شرير وقاسٍ من أكثر التحولات الدرامية رسوخاً وإثارة للجدل في التاريخ.

تأثر المسلسل بشدة بأفلام الويسترن الكلاسيكية (سينما الغرب الأمريكي)، وذكر صناع العمل أفلاماً مثل “The Searchers” و”The Wild Bunch” كمصادر إلهام أساسية. ويظهر هذا التأثير جلياً في توظيف مناظر نيو مكسيكو الطبيعية، وفي التركيز على شخصيات عالقة في تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين عالم الجريمة وعالم القانون والنظام.

كان هذا التأثير بارزاً لدرجة أن النقاد يعتبرون المسلسل نقطة تحول ومحطة مفصلية في العصر الذهبي للتلفزيون، ممهداً الطريق أمام قبول شبكات الإنتاج للدراما الجادة والمعقدة مثل “Game of Thrones” و”The Handmaid’s Tale”. كما تأثر الأسلوب البصري المعتمد على الظلال والتباينات الحادة بأعمال مدير التصوير الشهير غوردون ويليس، الذي عرف بعبقريته في أفلام مثل “The Godfather” و”All the President’s Men”.

خاتمة

لا شك أن مسلسل “بريكينغ باد” يستحق كل ذرة ثناء نالها؛ فدقة فينس غيليغان واهتمامه بالتفاصيل تجاوزا كل التوقعات وأثارا إعجاب صناع السينما. لقد وصفه الكثيرون بأنه “العرّاب المعاصر” للدراما التلفزيونية. وبالفعل، تحمل الحلقة الأخيرة شجناً خاصاً؛ لأنها تعلن نهاية عالم ساحر لن نرى شخصياته في مغامرة جديدة مجدداً.

ويُروى أن المخرج ومدير التصوير مايكل سلوفيس، أثناء تصوير المشهد الأخير والمؤثر الذي جمع والتر بسكايلر، أجهش بالبكاء صامتاً واضطر لإبعاد عينه عن عدسة الكاميرا من شدة التأثر، وهو شعور تماهى معه ملايين المشاهدين حول العالم.

وصل التأثير الواقعي للمسلسل إلى حد غريب؛ إذ ذكرت الصحف الأمريكية أن بعض تجار المخدرات الحقيقيين في الولايات المتحدة بدأوا بتلوين منتجاتهم باللون الأزرق باستخدام صبغات الطعام لمحاكاة “ميث والتر وايت”، كما قلد سجناء في أستراليا طريقة والتر الذكية في إشعال السجائر باستخدام الأسلاك الكهربائية.

سيمر وقت طويل قبل أن يتمكن صناع هذا العمل وممثلوه من الخروج من ظلال “بريكينغ باد”، وربما لن يتكرر نجاح مماثل بهذا الزخم مجدداً؛ فهو حالة استثنائية في عالم التلفزيون، استثناء نجح في توحيد أذواق الجماهير والنقاد على اختلافها وأبهرهم بعالمه السوداوي المتقن. إنه عمل يجبرك على احترامه، والوقوف تحيةً وتقديراً لصانعه.

تقييم هيئة التحرير في “عرب شوتايم” لمسلسل (Breaking Bad): 9.5 /10

اقتراح وتقديم أفضل المسلسلات في عرب شوتايم

Google search engine

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

أحدث

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine