أثبتت موجة أفلام المافيا خلال العقود الأخيرة أن هذا التصنيف السينمائي لا يقتصر على العنف والجريمة فحسب؛ بل هو تشريح عميق للسلطة، والخيانة، والروابط العائلية، والانحدار التدريجي للنفس البشرية نحو عتمة الجريمة. ولطالما نجحت سينما المافيا في جذب المشاهدين بفضل شخصياتها المعقدة وبنائها الدرامي الفريد، مما يبقي الجمهور مشدوداً إلى مقاعده حتى اللحظة الأخيرة.
سواء دارت الأحداث في إطار الحكايات الإيطالية الكلاسيكية أو السرديات الحديثة، لا يزال هذا النوع واحداً من أكثر فروع السينما شعبية حول العالم. وفي السنوات الأخيرة، لم تتطور أفلام المافيا على الصعيدين البصري والتقني فقط، بل أصبحت رواياتها أعمق وأكثر تعقيداً وتعددية في الطبقات. فقد استطاع كبار المخرجين، عبر ابتكار شخصيات لا تُنسى وقصص مشحونة بالتوتر، طمس الحدود الفاصلة بين الخير والشر، ليدخلوا المشاهد في عالمٍ يحمل فيه كل قرار ثمناً باهظاً. هذه التعقيدات بالذات هي ما حافظ على حيوية هذا التصنيف وجاذبيته الدائمة.
في هذا المقال على عرب شوتايم، سنستعرض معكم ثمانية من أفضل أفلام المافيا التي تستحق المشاهدة فعلاً؛ أعمالٌ أعاد كلٌّ منها تعريف معايير هذا التصنيف بطريقته الخاصة، وتُعد مشاهدتها تجربة ضرورية لكل محب للسينما. من خلال السطور التالية، ستتعرفون على أفضل الخيارات لتجربة سينمائية مثيرة ولا تُنسى.
ثلاثية العراب (The Godfather)

- المخرج: فرانسيس فورد كوبولا
- أبرز الممثلين: مارلون براندو، آل باتشينو، روبرت دوفال، روبرت دي نيرو، ديان كيتون
- سنوات الإنتاج: 1972 – 1990
- تقييم: IMDb 9.2
- مراجعة شاملة لثلاثية “العراب” (The Godfather) على موقع عرب شوتايم
لا تُمثّل ثلاثية “العراب” العمود الفقري لأفلام المافيا فحسب، بل تُصنّف كأحد أهم الإنجازات في تاريخ السينما العالمية؛ سلسلة أصبحت قصتها، وإخراجها، وكواليس إنتاجها أسطورية بقدر الأفلام ذاتها. تستند هذه الثلاثية إلى رواية ماريو بوزو الشهيرة، وتحولت برؤية فرانسيس فورد كوبولا العميقة إلى عمل ملحمي يدرس أبعاد السلطة، والفساد، والروابط الأسرية.
تبدأ الحكاية في الجزء الأول برصد انتقال السلطة من الزعيم “فيتو كورليوني” إلى ابنه الأصغر “مايكل”. وجاء الجزء الثاني ببنية سردية مزدوجة ومبتكرة؛ حيث يروي ماضي “فيتو” منذ هجرته حتى صعوده إلى قمة المافيا، وبالتوازي يعرض الانهيار الأخلاقي والإنساني لـ “مايكل”. أما في الجزء الثالث، فيحاول “مايكل” إضفاء الشرعية القانونية على إمبراطوريته، لكن آثام الماضي تظل تطارده لتتحقق المأساة النهائية. تشكّل هذه الأفلام الثلاثة معاً دورة كاملة لصعود، وازدهار، وانهيار عائلة مافيا.
من الناحية الإخراجية، خلق كوبولا عالماً يمزج بين الواقعية الفجة والأبعاد الأسطورية، مستخدماً إضاءة خافتة تعتمد على الظلال المعبّرة، وإيقاعاً سردياً متمهلاً ومدروساً، بالإضافة إلى كادرات متناظرة وتوزيع دقيق لعناصر الكادر (Mis-en-scène). وقد جعل تعاونه مع مدير التصوير غوردون ويليس، الملقب بـ “ملك الظلال”، الأسلوب البصري للفيلم بصمة سينمائية خالدة. كما ربطت موسيقى نينو روتا الشجية أجزاء الثلاثية بخيط عاطفي غير مرئي، مما ضاعف من الشحنة الدرامية للسرد، لتصبح السلسلة ملحمة إنسانية تتجاوز مفهوم أفلام الجريمة التقليدية.
إن كواليس إنتاج هذه الثلاثية لا تقل إثارة عن الأفلام نفسها؛ إذ واجه المشروع معارضة شديدة من الاستوديو، خاصة ضد اختيار آل باتشينو ومارلون براندو، ناهيك عن الضغوط الحقيقية التي مارستها جماعات المافيا لإعاقة التصوير. تعرّض كوبولا مراراً لخطر الطرد، وواجهت قراراته الفنية مقاومة مستمرة. وفي الجزء الثالث، غاب روبرت دي نيرو عن العمل، واعتذرت الممثلة المرشحة لدور “ماري كورليوني” فجأة، مما دفع كوبولا لإشراك ابنته صوفيا كوبولا في الدور؛ وهو قرار أثار ردود فعل مباينة بين النقاد آنذاك.
صنعت الثلاثية تاريخاً استثنائياً في المحافل الدولية؛ إذ فاز الجزآن الأول والثاني بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم، وهو حدث نادر التكرار في تاريخ الأكاديمية. وحظي أداء مارلون براندو، وآل باتشينو، وروبرت دي نيرو بإشادة نقدية عالمية واسعة. ورغم أن الجزء الثالث لم ينل نفس القدر من المديح النقدي، إلا أنه رُشّح لسبع جوائز أوسكار، مما ثبّت مكانة السلسلة كواحدة من أعظم الأعمال السينمائية عبر العصور.
فيلم كازينو (Casino)

- المخرج: مارتن سكورسيزي
- أبرز الممثلين: روبرت دي نيرو، جو بيشي، شارون ستون، فرانك فينسنت
- سنة الإنتاج: 1995
- تقييم: IMDb 8.2
يُعتبر فيلم “كازينو” للمخرج مارتن سكورسيزي واحداً من أبرز روائع الجريمة في تسعينيات القرن الماضي؛ وهو سرد سينمائي مشحون بالتوتر يستعرض آليات السلطة، والطمع، والسقوط المدوي في قلب مدينة لاس فيغاس خلال السبعينيات. تستند قصة الفيلم إلى الحياة الحقيقية لـ “سام (آيس) روثستين”؛ العبقري الذي عينته المافيا لإدارة كازينو ضخم. ويظهر إلى جانبه “نيكي سانتورو” كذراع عنيفة وقاسية لحماية مصالح العصابة في المدينة. وتُشكل العلاقة المعقدة بينهما، بالتوازي مع دخول “جينجر” —المرأة التي تجلب لسام الحب والخيانة معاً— النواة الأساسية للأحداث، حيث يصوّر الفيلم بأسلوب شبه وثائقي صعود وسقوط إمبراطورية سرية لإدارة الأموال القذرة.
بلغ سكورسيزي في هذا الفيلم ذروة نضجه الإخراجي، مبرزاً مهارته الفائقة في إدارة المشاهد المزدحمة، وحركات الكاميرا السريعة والخاطفة، والمونتاج المتلاحق، مستعيناً بموسيقى تصويرية متنوعة الإيقاعات. وقد حافظ تعاونه مع المونتيرة المخضرمة ثيلما شونميكر على إيقاع الفيلم المشدود رغم طول مدة عرضه. كما أن الاعتماد على التعليق الصوتي المتوازي (Voice-over) من قِبل سام ونيكي فتح طبقات متعددة للرواية، وسمح للمشاهد بالدخول مباشرة إلى العقول المدبرة للشخصيات. ووظّف الفيلم تصميم الديكورات والأزياء ذات الألوان الذهبية وأضواء النيون البراقة لإبراز التباين الحاد بين البهرجة الظاهرية للمدينة والفساد الأخلاقي الخفي الذي يلتهمها.
اعتمد سكورسيزي في صناعة الفيلم على ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومقابلات حقيقية مع أشخاص عاصروا تلك الفترة، مع تغيير بعض الأسماء لتجنب الملاحقات القانونية. ورفع وجود الثنائي روبرت دي نيرو وجو بيشي —اللذين تألقا سابقاً في فيلم (Goodfellas)— من سقف توقعات الجمهور، وجاء أداء بيشي العنيف وغير المتوقع ليخطف الأنظار مجدداً. أما دور شارون ستون، الذي صُنع بعناية فائقة، فكان واحداً من أكثر الأدوار إثارة للجدل والإعجاب في مسيرتها المهنية.
حظي الفيلم عند عرضه باستقبال نقدي حافل، ونالت شارون ستون ترشيحاً لجائزة الأوسكار كأفضل ممثلة عن دورها الاستثنائي لشخصية “جينجر”. ورغم أن الفيلم لم يحصد من جوائز الأوسكار ما كان متوقعاً وقتها، إلا أنه رسّخ مكانته مع مرور الزمن كأحد أفضل أعمال سكورسيزي، وواحد من أهم كلاسيكيات أفلام المافيا التي رفعت معايير هذا النوع السينمائي تقنياً وسردياً.
فيلم الوجه ذو الندبة (Scarface)

- المخرج: برايان دي بالما
- أبرز الممثلين: آل باتشينو، ميشيل فايفر، ستيفن باور، روبرت لوجيا
- سنة الإنتاج: 1983
- تقييم: IMDb 8.3
يُعد فيلم “Scarface” للمخرج برايان دي بالما واحداً من أكثر أعمال الجريمة تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ السينما؛ إذ يقدم دراما عنيفة وصريحة تصوّر صعود وسقوط مهاجر طموح. تدور أحداث الفيلم حول “توني مونتانا”، المهاجر الكوبي الذي يصل إلى ميامي ويبدأ بالتدرج سريعاً في عالم تجارة المخدرات، مدفوعاً بعنف مفرط، وطموح لا يشبع، وعطش مطلق للسلطة. وتشكل علاقته بصديقه المقرب “ماني”، وحبه للمرأة الفاتنة “إلفيرا”، وهوسه المرضي بحماية أخته “جينا”، الطبقات المأساوية لشخصيته المعقدة. وفي نهاية المطاف، يلخص الفيلم قصة رجل يحصل على كل شيء، ثم يخسر كل شيء بسبب شهوة السلطة ذاتها التي دفعت به إلى القمة.
خلق دي بالما، مستعيناً بأسلوبه البصري المميز، عالماً يدمج بين الواقعية الصادمة والمبالغة الدرامية؛ عبر زوايا تصوير عريضة ومبتكرة، وحركات كاميرا انسيابية، واستخدام أسلوب التصوير البطيء (Slow Motion)، إضافة إلى المونتاج الإيقاعي. وجاءت الموسيقى الإلكترونية للموسيقار جورجيو مورودر لتعيد إحياء أجواء ثمانينيات القرن الماضي وتبرز التباين بين الثراء الفاحش والانحلال الأخلاقي. كما ساهم تصميم المشاهد والأزياء في رواية رحلة توني بصرياً، من شوارع ميامي الخلفية القذرة إلى قصره الذهبي الفاخر عبر ألوان صارخة ونيونات متوهجة.
أثارت كواليس إنتاج الفيلم جدلاً واسعاً منذ اللحظات الأولى؛ فالصورة العنيفة، واللغة القاسية، والعرض الجريء لعالم المخدرات أدت إلى ردود فعل حادة من النقاد والرقابة عند العرض الأول، كما احتجت بعض جماعات المهاجرين الكوبيين في أمريكا على طريقة تصوير مجتمعهم. ومع ذلك، كان أداء آل باتشينو قوياً ومغناطيسياً لدرجة أن النظرة النقادية تجاه الفيلم تغيرت كلياً مع مرور السنوات، ليتحول من مجرد فيلم مثير للجدل إلى عمل كلاسيكي ذي جماهيرية واسعة. وقد صرح آل باتشينو مراراً بأن شخصية توني مونتانا كانت من أصعب وأحب الأدوار إلى قلبه.
لم يحظَ الفيلم بالاهتمام الأكاديمي الكبير أو الترشيحات الضخمة في جوائز الأوسكار عند صدوره، واقتصرت الإشادات على بعض المهرجانات الصغيرة. لكن بمرور الوقت، أصبح “Scarface” واحداً من أكثر الأعمال الجنائية تأثيراً في الثقافة الشعبية العالمية، ودخلت حواراته وأسلوبه البصري وشخصية توني مونتانا في تفاصيل الموسيقى، والأزياء، والألعاب الرقمية. واليوم، لا يُنظر إليه كفيلم عابر، بل كرمز سينمائي وعلامة فارقة في سينما الجريمة.
فيلم كلاب المستودع (Reservoir Dogs)

- المخرج: كوينتن تارانتينو
- أبرز الممثلين: هارفي كيتل، تيم روث، ستيف بوشيمي، كريس بن، مايكل مادسن
- سنة الإنتاج: 1992
- تقييم: IMDb 8.3
يُعتبر فيلم “Reservoir Dogs” الخطوة الأولى والمبهرة في مسيرة المخرج كوينتن تارانتينو؛ وهو العمل الذي أحدث موجة تجديدية عارمة في سينما الجريمة المستقلة مطلع التسعينيات بفضل بنيته السردية غير الخطية وحواراته الذكية الحادة. تدور القصة حول مجموعة من المجرمين المحترفين الذين يجتمعون لتنفيذ عملية سرقة ألماس كبرى، لكن الخطة تنهار بشكل كارثي نتيجة كمين للشرطة، ليلتقي من نجا منهم في مستودع مهجور محاولين اكتشاف الخائن المزروع بينهم. يركز الفيلم بشكل مكثف على التبعات النفسية والاجتماعية للسرقة بدلاً من عرض عملية السرقة نفسها، مما يجعل من الشك المتبادل والتوتر النفسي المحور الأساسي للسرد.
نجح تارانتينو منذ فيلمه الأول في ترسيخ بصمته السينمائية الفريدة: التلاعب بالزمن السردي، الحوارات الطويلة والممتعة التي تكشف أعماق الشخصيات، العنف المصمم بأسلوبية جمالية (Stylized Violence)، والتوظيف الذكي لأغاني البوب الكلاسيكية. وبميزانية محدودة للغاية، استطاع بناء معظم الأحداث داخل موقع تصوير واحد، معتمداً بالكامل على قوة التمثيل، وتأطيرات الكاميرا البسيطة والدقيقة، والمونتاج الذكي للحفاظ على تصاعد التوتر. ويظل مشهد “قطع الأذن” الشهير مثالاً حياً على قدرته الفائقة في مزج العنف المفرط بالسخرية السوداء، مخلفاً أثراً نفسياً عميقاً لدى المشاهد دون الحاجة لعرض تفاصيل دموية مقززة.
لعبت كواليس الفيلم وعروضه الأولى دوراً كبيراً في ذياع صيته؛ إذ أثار العنف الصريح صدمة كبيرة، مما دفع ببعض صالات العرض إلى إيقاف الفيلم، كما غادر بعض السينمائيين قاعات العرض في مهرجان “ساندانس” السينمائي. ومع ذلك، فإن انضمام النجم هارفي كيتل كممثل ومنتج للمشروع منح الفيلم مصداقية عالية وجذب إليه طاقماً مميزاً من الممثلين المحترفين. كما ثارت بعض النقاشات النقدية حول التشابه السردي بين الفيلم وبعض أفلام الحركة من هونغ كونغ، وتحديداً فيلم “City on Fire”، مما فتح باباً للنقاش حول مفهوم الاقتباس والإلهام السينمائي لدى تارانتينو.
لم يحصد الفيلم جوائز كبرى من المهرجانات التقليدية عند صدوره، لكنه سرعان ما تحول إلى فيلم عبادي (Cult Film) يحظى بتقدير هائل من النقاد وعشاق السينما. ومع مرور الزمن، بات يُصنف كأحد أهم أعمدة السينما المستقلة في التاريخ، ومهد الطريق لنجاحات تارانتينو اللاحقة مثل “Pulp Fiction”. واليوم، يُدرس الفيلم كنموذج مثالي لكيفية صناعة روائع سينمائية بالاعتماد على قوة النص وبناء الشخصيات، متغلباً على قلة الإمكانيات المادية والبصرية.
فيلم تقاطع ميلر (Miller’s Crossing)

- المخرج: الأخوان كوين (Joel & Ethan Coen)
- أبرز الممثلين: غابرييل بيرن، مارشيا غي هاردن، جون تورتورو، جون بوليتو
- سنة الإنتاج: 1990
- تقييم: IMDb 7.7
يُعد فيلم “Miller’s Crossing” للأخوين كوين واحداً من أعقد وأجمل أعمال الجريمة والسينما النيور-نوارية (Neo-Noir) في تسعينيات القرن الماضي؛ وهو سرد سينمائي يغوص في قيم الولاء، والخيانة، وصراعات الدم داخل عالم المافيا في مدينة غامضة بلا اسم. تدور أحداث القصة حول “توم ريغان”، المستشار الذكي والبارد لزعيم العصابة، والذي يجد نفسه فجأة محاصراً في حرب نفوذ طاحنة بين جبهتين متنازعتين. وبين ولائه لزعيمه، وعلاقته المعقدة بـ “فيرنا”، ومناوراته السياسية الخفية، يحاول توم النجاة عبر اتخاذ قرارات مدروسة بدقة في عالم لا يرحم؛ مما يمنح الفيلم بنية سردية متعددة الطبقات تغمر المشاهد في عالم قوامه الأكاذيب والصفقات المشبوهة.
بلغ الأخوان كوين في هذا العمل ذروة التحكم البصري والسردي بأسلوب يميل إلى الاختزال والعمق؛ إذ ساهمت الكادرات الدقيقة، وحركات الكاميرا الهادئة، والتوظيف الذكي للمساحات الفارغة في تعزيز شعور البرودة والقسوة اللذين يخيمان على أجواء الفيلم. وقد منح تعاونهما مع مدير التصوير البارز باري سونينفيلد الإضاءة وتدرج الألوان طابعاً نوارياً كلاسيكياً ممتزجاً بجماليات معاصرة. كما جاءت الموسيقى التصويرية للموسيقار كارتر بورول، بألحانها الحزينة والتهكمية المتكررة، لتعمق شعور العزلة والضياع النفسي الذي يعيشه البطل.
شهدت مرحلة كتابة الفيلم عقبات إبداعية شهيرة؛ حيث واجه الأخوان كوين انسداداً فكرياً (Writer’s Block) أثناء صياغة السيناريو، مما دفعهما للتوقف مؤقتاً لكتابة فيلم آخر هو “Barton Fink” الذي نال لاحقاً جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان. كما أثارت التقاطعات السردية بين الفيلم وروايات الكاتب داشيل هاميت —لا سيما رواية “The Glass Key”— نقاشات نقدية واسعة حول مصادر الإلهام الأدبي للمشروع. ومع ذلك، نجح المخرجان في مزج العناصر الكلاسيكية بأسلوبهما السينمائي الفريد لابتكار عمل يعيد صياغة هذا التصنيف بدلاً من مجرد تقليده.
لم يحظَ الفيلم بالتقدير الأكاديمي الكافي عند صدوره، كما لم يحقق نجاحاً تجارياً ضخماً في شباك التذاكر، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى فيلم عبادي (Cult Film) يحظى بتقدير استثنائي بين عشاق سينما الجريمة. واعتبره النقاد لاحقاً واحداً من أفضل أعمال الأخوين كوين، ممهداً الطريق ومشكلاً مصدر إلهام للعديد من صناع الأفلام الشباب. واليوم، يُنظر إليه كنموذج يحتذى به في دمج الأدب الجنائي الكلاسيكي بالسينما الحديثة.
فيلم الممنوع لمسهم (The Untouchables)

- المخرج: برايان دي بالما
- أبرز الممثلين: كيفن كوستنر، روبرت دي نيرو، شون كونري، آندي غارسيا
- سنة الإنتاج: 1987
- تقييم: IMDb 7.8
يُعتبر فيلم “The Untouchables” للمخرج برايان دي بالما واحداً من أبرز أعمال الجريمة في ثمانينيات القرن الماضي؛ وهو سرد ملحمي مشحون بالتوتر يجسد الصراع الأزلي بين القانون والجريمة المنظمة خلال حقبة “حظر الكحول” الشهيرة في الولايات المتحدة. يستند الفيلم إلى أحداث حقيقية، ويتتبع مسار العميل الفيدرالي “إليوت نيس” الذي يقرر تشكيل فريق صغير من النخبة المخلصة التي لا تقبل الرشوة، بهدف تقويض وتدمير إمبراطورية آل كابون الإجرامية. يركز السرد على التباين الأيديولوجي الحاد بين نيس المتمسك بالقانون وكابون المتغطرس والقاسي، مما يخلق أجواءً سينمائية تجمع بين الكلاسيكية العاطفية والإثارة المستمرة.
استعرض دي بالما في هذا الفيلم أدواته البصرية المميزة ببراعة؛ مستخدماً تكوينات بصرية دقيقة، وحركات كاميرا انسيابية، وتصميماً تفصيلياً للمشاهد، إلى جانب التوظيف المتقن لتقنية التصوير البطيء (Slow Motion). ويظل مشهد “محطة القطار” الشهير —المستوحى من مشهد عربة الأطفال في فيلم “المدمرة بوتيمكين” الكلاسيكي— نموذجاً يُدرس في خلق التوتر والتناغم الإيقاعي عبر المونتاج. كما شكلت موسيقى الموسيقار الأسطوري إنيو موريكوني، بطابعها الملحمي والشجني، روح الفيلم الحقيقية التي أبرزت التناقض بين العدالة والفوضى.
أضفت كواليس الإنتاج جاذبية خاصة على الفيلم قبل عرضه؛ إذ حظي اختيار روبرت دي نيرو لتجسيد شخصية “آل كابون” باهتمام إعلامي هائل، خاصة بعد أن زاد وزنه عمداً واستعان بأزياء مفصلة بدقة تطابق ملابس الشخصية الحقيقية لتقريبها من الواقع. ومن جهة أخرى، كان حضور النجم شون كونري في دور الشرطي المخضرم “جيم مالون” عنصراً حاسماً أضفى كاريزما وثقلاً درامياً على الأحداث، ليجعل تضافر هذا الحشد من النجوم مع أسلوب دي بالما البصري الفيلمَ حدثاً سينمائياً استثنائياً فور صدوره.
حقق الفيلم نجاحاً كبيراً على صعيد الجوائز وشباك التذاكر على حد سواء؛ حيث توج النجم شون كونري بجائزة الأوسكار كأفضل ممثل مساعد عن أدائه الأيقوني، كما رُشحت موسيقى موريكوني لنفس الجائزة. ومع مرور العقود، ترسخت مكانة العمل كأحد الكلاسيكيات التي نجحت في تقديم توليفة مثالية تجمع بين التوثيق التاريخي والإثارة السينمائية الجاذبة للجمهور العريض.
فيلم الأيرلندي (The Irishman)

- المخرج: مارتن سكورسيزي
- أبرز الممثلين: روبرت دي نيرو، آل باتشينو، جو بيشي، بوبي كانافالي
- سنة الإنتاج: 2019
- تقييم: IMDb 7.8
يُعد فيلم “The Irishman” واحداً من أكثر مشاريع المخرج مارتن سكورسيزي طموحاً ونضجاً في مسيرته؛ وهو سرد سينمائي طويل، هادئ وعميق، يتأمل مفاهيم الشيخوخة، والولاء، والخيانة، والثمن الباهظ الذي يفرضه العيش في وادي الجريمة المظلم. تُروى الأحداث على لسان “فرانك شيران”، المحارب القديم في الحرب العالمية الثانية الذي ينخرط تدريجياً في عالم المافيا ليصبح الذراع اليمنى للزعيم “راسل بوفالينو”. وتُشكل العلاقة المعقدة والمأساوية بين فرانك وزعيم نقابات العمال الشهير “جيمي هوفا” النواة العاطفية للفيلم؛ حيث يدفع أسلوب الاعتراف البطيء والمونولوج الداخلي بالمشاهد إلى أعماق ذهن رجل يجد نفسه في خريف عمره وحيداً ومثقلاً بأشباح ماضيه.
اعتمد سكورسيزي في هذا العمل إيقاعاً متمهلاً وكادرات كلاسيكية رصينة، مع تركيز مكثف على التفاصيل الدرامية والسرد متعدد الأبعاد. ومثّل استخدام تقنية التجديد الرقمي (Digital De-aging) لإعادة الشباب للممثلين الكبار —دي نيرو، وباتشينو، وبيشي— طفرة تقنية لافتة، سمحت بمواكبة عقود من حياة الشخصيات دون الحاجة لتغيير طاقم التمثيل. وساهم مونتاج ثيلما شونميكر الدقيق، والموسيقى التصويرية الحدية (Minimalist)، بالإضافة إلى التصوير السينمائي البارد بعدسة رودريغو برييتو، في خلق مناخ شجني يائس يميز هذا العمل عن أفلام سكورسيزي السابقة الأكثر صخباً وحيوية.
أثارت كواليس الفيلم اهتماماً عالمياً واسعاً؛ بدءاً من نجاح سكورسيزي في إقناع النجم جو بيشي بالعدول عن قرار اعتزاله والعودة إلى الشاشة، مروراً بالجمع التاريخي لثلاثة من أساطير السينما في كادر واحد، وصولاً إلى التمويل الضخم المخاطر الذي قدمته شبكة “نتفليكس”. كما أثار طول مدة الفيلم —التي تجاوزت الثلاث ساعات والنصف— نقاشات سينمائية موسعة حول البنية الإيقاعية، إلا أن معظم النقاد رأوا أن هذا الطول كان ضرورياً لخدمة الطابع التأملي والملحمي للعمل.
حظي الفيلم باستقبال نقدي حافل وترشح لعشر جوائز أوسكار، شملت أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل ممثل مساعد لكل من جو بيشي وآل باتشينو. ورغم خروجه من الحفل دون جوائز، إلا أنه حجز مكانه في صدارة قوائم أفضل أفلام العام في مختلف المحافل الدولية. واليوم، يُنظر إليه كمرثية ناضجة عن نهاية طريق رجال المافيا؛ عمل يتجاوز حدود تصنيف الجريمة ليكون تأملاً إنسانياً خالصاً في الوحدة، والندم، وقطار العمر الراحل.
فيلم حدث ذات مرة في أمريكا (Once Upon a Time in America)

- المخرج: سيرجيو ليون (Sergio Leone)
- أبرز الممثلين: روبرت دي نيرو، جيمس وودز، إليزابيث ماكغفرن، جو بيشي
- سنة الإنتاج: 1984
- تقييم: IMDb 8.3
يُعتبر فيلم “Once Upon a Time in America” للمخرج الإيطالي سيرجيو ليون واحداً من أكثر الأعمال طموحاً وشاعرية في تاريخ الفن السابع؛ وهو سرد ملحمي ممتد يستكشف الصداقة، والخيانة، والحب المستحيل، وسطوة الزمن القاسي. يتتبع الفيلم رحلة حياة “ديفيد (نودلز) أرونسون” وصديق طفولته “ماكس”، وهما يتيمان نشآ في أحياء نيويورك الفقيرة وتدرجا خطوة بخطوة في عالم الجريمة المنظمة خلال فترة الحظر. يتوزع السرد على ثلاث فترات زمنية متباعدة وعبر بنية غير خطية معقدة، تدمج الماضي بالحاضر لتُقدم صورة مريرة ومؤثرة لرجل يعود بعد عقود من الغياب والمنفى إلى مدينة تبرأت من ملامحها القديمة.
بلغ ليون في هذه التحفة ذروة نضجه البصري والجمالي؛ إذ تحولت الكادرات الواسعة والدقيقة، وحركات الكاميرا البطيئة والمهيبة، والاستخدام العبقري للصمت والتوقفات الدرامية، بالإيقاع العام للفيلم إلى ما يشبه “الأوبرا الجنائية”. وتُعد الموسيقى الأسطورية التي ألفها الموسيقار رفيقه إنيو موريكوني قلب الفيلم النابض وعنصره العاطفي الأقوى، حيث عبرت الألحان عن المشاعر المكبوتة والندم الدفين للشخصيات. كما ساهم تصميم الديكورات الباذخ والأزياء التاريخية في إعادة خلق مدينة نيويورك بدقة مذهلة عبر حقب العشرينيات والثلاثينيات والستينيات، مما جعل الفيلم تجربة بصرية متكاملة الأركان.
اتسمت كواليس إنتاج وتوزيع الفيلم بتعقيدات مأساوية؛ فالنسخة الأصلية التي صاغها ليون كانت تتجاوز الأربع ساعات، لكن الاستوديو الموزع في أمريكا قام بقص الفيلم بشكل جائر واختصاره إلى ساعتين وبترتيب زمني خطي مبسط دون موافقة المخرج، مما أدى إلى فشل الفيلم نقدياً وتجارياً في الولايات المتحدة آنذاك. ولاحقاً، عندما طُرحت النسخة الطويلة المستعادة التي تمثل الرؤية الحقيقية لليون، أدرك النقاد فداحة الخطأ وأجمعوا على أنها تحفة سينمائية مهملة. كما حظي الأداء الاستثنائي للثنائي روبرت دي نيرو وجيمس وودز بإشادة واسعة النطاق.
حُرم الفيلم من التقدير المستحق والجوائز الكبرى عند عرضه الأول بسبب النسخة المشوهة، لكن مع إحياء النسخة الطويلة، تبوأ مكانته الطبيعية كواحد من أعظم أفلام الجريمة وروائع تاريخ السينما العالمية على الإطلاق. واليوم، يعتبره العديد من كبار المخرجين المعاصرين مصدراً أولاً للإلهام، ليتحول “Once Upon a Time in America” من مجرد فيلم سينمائي إلى تجربة وجدانية وعاطفية عابرة للزمن.
اقتراحات وترشيحات لأفضل الأفلام في تاريخ السينما على منصة عرب شوتایم




