بعد الجزأين الأولين من هذه السلسلة، اللذين تناولنا فيهما أعمالاً بارزة حُفرت في ذاكرة عشاق سينما الجريمة، نعود إليكم الآن في الجزء الثالث لنخطو مجدداً داخل عالم الجريمة المظلم؛ ذلك العالم الذي تتشابك فيه الأخلاق والعدالة والانهيار الإنساني ، حيث لكل خيار ثمن، وخلف كل حقيقة تكمن طبقات من العنف أو الفساد أو اليأس.
في هذا الجزء، جمعنا لكم سبعة أفلام متنوعة، ينظر كل منها إلى الجريمة من زاوية مغايرة: من الانتقام الشخصي والفساد المؤسسي، إلى الانهيار الأخلاقي، والسعي وراء الحقيقة، والصراع الأزلي بين القانون والفوضى. وتشترك هذه الأفلام السبعة — سواء أكانت تنتمي إلى سينما “النوّار” اليابانية الكلاسيكية أم الإثارة الأمريكية المعاصرة — في سمة واحدة: قوة السرد وعمق البناء الدرامي للشخصيات. فهي لا تقدم مجرد حكايات مشحونة بالتوتر، بل تطرح أمام المشاهد أسئلة جادة حول العدالة والمسؤولية وحدود الأخلاق.
إذا كنتم قد تابعتم الجزأين السابقين، فإن هذا الجزء الثالث يأتي استكمالاً للمسار نفسه ؛ مسار يسعى إلى تقديم أفضل نماذج سينما الجريمة وأقواها، لبناء صورة أكثر اكتمالاً لهذا العالم المعقد. (يمكنكم الاطلاع على الجزء الأول والجزء الثاني من سلسلة أفضل أفلام الجريمة).
فيلم: الطرق على أبواب الجنة (Knockin’ on Heaven’s Door)

المخرج: توماس يان
الممثلون: تيل شفايجر
سنة الإنتاج: 1997
متوسط التقييم: 7.9 (IMDb)
يروي الفيلم قصة شابين، “مارتن” و”رودي”، يكتشفان في المستشفى أنهما مصابان بمرض عضال ولم يتبقَّ لهما سوى وقت قصير جداً في الحياة. تدفعهما هذه الحقيقة المرة إلى حديث حميم، يكتشف فيه “مارتن” أن “رودي” لم يرَ البحر طوال حياته. يخبره “مارتن” بأن الناس في الجنة لا يتحدثون إلا عن جمال البحر، فتشعل هذه الكلمات في قلبيهما رغبة مفاجئة: الهروب من المستشفى لرؤية البحر قبل الموت.
وفي حالة من السكر وبملابس المستشفى، يسرق الشابان سيارة مرسيدس كلاسيكية زرقاء، دون أن يدركا أنها تخص زعيم عصابة خطير. وسرعان ما يكتشفان في صندوق السيارة مليون مارك نقداً، وفي لوحة القيادة مسدساً، فيبدآن بسطو مسلح على بعض المتاجر خلال رحلتهما. ومع تقدم الرحلة، تلاحقهما الشرطة واللصوص في آن واحد، لـتتحول القصة إلى مطاردة مشحونة بالتوتر العالي. وفي ذروة الأحداث، يجدان نفسيهما محاصرين بين مجموعتين مسلحتين على طريق ريفي، وينجوان بأعجوبة عبر حقل ذرة.
لاحقاً، يشتري “مارتن” سيارة كاديلاك وردية — شبيهة بالسيارة الشهيرة التي أهداها إلفيس بريسلي لوالدته — ليحقق أمنية قديمة بإسعاد والدته. لكن بعد لقائه بها، تنصب لهما الشرطة كميناً فيُعتقلان. يتظاهر “مارتن” بنوبة مرضية ليُنقل إلى سيارة إسعاف، لكنه يسرقها برفقة “رودي” مجدداً لإتمام أمنيتهما الأخيرة: الوصول إلى البحر.
يُعد هذا العمل فيلماً تراجيدياً من السينما الألمانية، وقد حقق المركز الخامس بين أفلام تلك السنة من حيث الإيرادات. كما حظي بشعبية جارفة في روسيا، وصدرت منه نسخة يابانية معاد إنتاجها عام 2008. يدمج الفيلم ببراعة بين عناصر سينما العصابات، وأفلام الطرق، والكوميديا، والدراما في عمل متكامل ومبهر. وهو يذكرنا بنوع ما بسينما تارانتينو وفيلم (Pulp Fiction)، ممتزجاً بطابع السينما الأوروبية والألمانية. يقدم الفيلم رؤية حول الهدف الأساسي من حياة الإنسان ويطرح سؤالاً جوهرياً: ما هو الأمر الأكثر أهمية في حياتنا؟ وإذا لم يتبقَّ لك سوى أيام معدودة، فماذا ستفعل؟ يقدم الفيلم قصة عميقة وحميمة تجعل المشاهد يتعاطف مع أزمات الأبطال وتتحول أحلامهم إلى أحلامه الشخصية؛ ولهذا السبب أثر الفيلم عميقاً في مشاعر الجمهور متجاوزاً فضاء الكوميديا البحتة.
فيلم: فارغو (Fargo)

المخرج: جويل كوين
الممثلون: فرانسيس مكدورماند
سنة الإنتاج: 1996
متوسط التقييم: 8.1 (IMDb)
يروي فيلم (Fargo) قصة “جيري لاندغارد”، وهو بائع سيارات في مدينة مينيابوليس، يمر بضائقة مالية خانقة تدفعه إلى وضع خطة خطيرة: استئجار مجرمين لاختطاف زوجته من أجل الحصول على فدية مالية ضخمة من حماه الثري.
لكن الخطة تنهار منذ البداية بشكل كارثي؛ فأثناء نقل الرهينة، يقتل أحد المجرمين ضابط شرطة وشاهدين على طريق ثلجي معزول، لتتحول الجريمة من ابتزاز بسيط إلى سلسلة من القتل الوحشي. في هذه الأثناء، تدخل “مارج غاندرسون” — رئيسة شرطة بلدة “برينرد” وهي امرأة حامل وذكية للغاية — على خط التحقيق. وبرباطة جأشها وفطنتها، تبدأ في جمع الأدلة خطوة بخطوة لتقترب من الحقيقة. وبينما يحاول “جيري” التظاهر بدور الزوج القلق، تتداعى أكاذيبه وتتصاعد وتيرة عنف المجرمين. وفي النهاية، تنجح “مارج” بمتابعتها الحثيثة في كشف هذه السلسلة الإجرامية، ليختتم الفيلم بمزيج فريد من السخرية السوداء والجريمة والنقد الأخلاقي.
لا شك أن (Fargo) هو أحد أهم أفلام الأخوين كوين وأكثرها إثارة للجدل والنقاش في مسيرتهما المهنية. نال الفيلم سبعة ترشيحات في الدورة التاسعة والستين لجوائز الأوسكار، وفاز بجائزتين هما: أفضل سيناريو أصلي، وأفضل ممثلة في دور رئيسي. كما أُنتج لاحقاً مسلسل تلفزيوني شهير مستوحى من الفيلم، عاد فيه الأخوان كوين كمنتجين منفذين.
يتميز هذا الفيلم الجنائي، الذي يتقاطع مع الكوميديا السوداء، بأسلوب بصري فريد؛ إذ تدور أحداثه بالكامل وسط الثلوج والجليد، وهو فضاء غير مألوف وصعب لسرد جريمة وتحقيق شرطي. فمن جهة، يتصارع الأبطال مع مسألة البقاء في هذا البرد القارس، ومن جهة أخرى، تقع جريمة تهز توازن المجتمع. في جوهره، يعد الفيلم رواية عن الاختيار والإرادة والحياة، وعملاً يتمتع بعناصر أسلوبية وبصرية مميزة تظل راسخة في ذهن المشاهد.
فيلم: نهر ويند (Wind River)

المخرج: تايلور شيريدان
الممثلون: جيريمي رينر
سنة الإنتاج: 2017
متوسط التقييم: 7.7 (IMDb)
تبدأ الأحداث باكتشاف جثة “ناتالي هانسون”، وهي شابة من السكان الأصليين، متجمدة في برد قاتل بمنطقة محمية للسكان الأصليين في “ويند ريفر”. يعثر عليها “كوري لامبرت”، وهو متعقب محترف يعمل لدى إدارة الحياة البرية، أثناء مطاردته لحيوانات مفترسة. كانت الفتاة قد تُركت على بعد أميال من أي مأوى، حافية القدمين، وتظهر عليها آثار عنف ومحاولة هرب. سرعان ما تصل “جين بانر”، وهي عميلة مبتدئة في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، للتحقيق في القضية، وبمساعدة “كوري” يسعيان لكشف الحقيقة وراء هذا الموت المروع. يقود قسوة الشتاء، وعزلة المنطقة، وصمت مجتمع السكان الأصليين، السرد نحو لغز مرير وواقعي.
مع تقدم التحقيقات، يتضح أن “ناتالي” تعرضت لاعتداء جنسي قبل أن تموت بسبب البرد القارس. تقود الأدلة إلى معسكر حفر نفطي حيث كان “مات ريبورن” — صديق ناتالي — يعمل حارساً، ويُعثر لاحقاً على جثته هو الآخر. تكشف الاشتباكات العنيفة بين الضباط وحراس المعسكر الحقيقة المأساوية: لقد هربت ناتالي بعد تعرضها لاعتداء جماعي، وضلت طريقها في الثلج حتى قضت نحبها. يختتم الفيلم بتركيزه على سعي كوري وجين لتحقيق العدالة، موجهاً نقداً لاذعاً للعنف الممارس ضد النساء من السكان الأصليين.
يُصنف الفيلم كفيلم “نيو-وسترن” (غربي معاصر) يندمج مع أفكار السينما الجنائية. وقد استلهم تايلور شيريدان في كتابة السيناريو آلاف القصص الحقيقية لأبناء السكان الأصليين في أمريكا، وصاغها برؤية تهدف إلى رفع الوعي حول ارتفاع معدلات الاعتداء والقتل بين النساء في تلك المجتمعات. يصنع الفيلم فضاءً ذكياً وسط الثلوج، ويجلب عناصر الغرب الأمريكي الكلاسيكي — مثل السكان الأصليين، والبطل الذي لا يكل، والعالم الذي يغيب عنه القانون — إلى زمننا المعاصر. التوترات المشدودة، والنبرة الباردة، والشخصيات المصقولة تعمل كلها بتناغم لخدمة رؤية الفيلم ؛ ليتحول تدريجياً إلى تأمل عميق في مفهوم الأسرة، والمعاناة، والرحمة، وألم الفقدان، ويصبح في نهايته صرخة احتجاج ضد قضايا الحرمان النظامي للسكان الأصليين، والبطالة، وانتشار المخدرات في تلك المناطق. عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان “ساندانس” السينمائي ونال مراجعات نقدية إيجابية واسعة.
فيلم: بين الجنة والجحيم (High and Low)

المخرج: أكيرا كوروساوا
الممثلون: توشيرو ميفوني
سنة الإنتاج: 1963
متوسط التقييم: 8.4 (IMDb)
يبدأ الفيلم بأزمة أخلاقية ومالية خانقة يمر بها “كينغو غوندو”، وهو تاجر ثري على وشك شراء حصة كبرى في شركة لتصنيع الأحذية بهدف السيطرة عليها. وبينما يرهن كل أمواله في هذه الصفقة، يتلقى مكالمة تهديد من خاطف يعتقد أنه اختطف ابن غوندو، بينما في الواقع، اختطف ابن سائقه عن طريق الخطأ، ومع ذلك يطالب بفدية قدرها 30 مليون ين.
هذا الخطأ يضع غوندو أمام خيار مرير: إما إنقاذ حياة طفل ليس ابنه، أو الحفاظ على مستقبله المالي والمهني. وتحت وطأة الضغوط الأخلاقية، ونظرات العائلة والشرطة، ووخز ضميره، يقرر دفع الفدية وخسارة كل شيء.
في النصف الثاني من الفيلم، يتحول السرد إلى دراما شرطية دقيقة ومشدودة ؛ حيث تتبع الشرطة بقيادة المفتش “توكورا” أثر الخاطف بخيوط قليلة، وينتقل الفيلم من منزل غوندو الفاخر إلى الأزقة والأحياء الفقيرة والمساحات المظلمة في مدينة يوكوهاما. وفي النهاية يُقبض على الخاطف، ويواجه غوندو، بعد فقدان ثروته، حقيقة مرة: كم هو رقيق الفاصل بين الجنة والجحيم، بين الثراء والفقر، وبين القوة والعجز. يختتم الفيلم بحوار مشحون بين غوندو والخاطف في السجن، مقدماً صورة عميقة عن الفجوة الطبقية وهشاشة الأخلاق الإنسانية.
يتقاطع هذا الفيلم مع أعمال جنائية أخرى لكوروساوا مثل (The Drunken Angel) و(Stray Dog) و(The Bad Sleep Well) و(Ikiru) في رصد الفساد والانحلال. ويحمل الفيلم عناصر السينما البوليسية اليابانية (وهو مسار أسسه كوروساوا في اليابان)، ليقدم قصة مشحونة بالتوتر حول الأخلاق. يعود كوروساوا هنا إلى موضوعه المفضل: الإنسانية والأخلاق. “غوندو”، الذي كافح طويلاً ليصل إلى موقعه الحالي، يكتشف عبر انعطافة درامية أن قراراً حاسماً يمكن أن يغير كل شيء. وكما هو الحال في أعمال كوروساوا الواقعية الأخرى، تدور أحداث الفيلم في خلفية يابان ما بعد الحرب ؛ ليقدم صورة لبلد على أعتاب معجزة اقتصادية، ويعرض عبر حبكة مشوقة وتصوير سينمائي رائع الحقائق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لتلك السنوات. وإلى جانب إنجازاته في سينما “النوّار”، يُعد الفيلم عملاً مقتبساً يظهر مدى دقة كوروساوا في التعامل مع المواد الأدبية.
فيلم: ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري (Three Billboards Outside Ebbing, Missouri)

المخرج: مارتن مكدونا
الممثلون: فرانسيس مكدورماند، وودي هارلسون، سام روكويل
سنة الإنتاج: 2017
متوسط التقييم: 8.1 (IMDb)
يروي الفيلم قصة “ميلدريد هايز”، وهي أم مفجوعة ومحبَطة، تقرر التحرك بعد مرور سبعة أشهر على جريمة اغتصاب وقتل ابنتها دون أن تحرز تحقيقات الشرطة أي تقدم. تستأجر ميلدرد ثلاث لوحات إعلانية مهجورة على طريق ريفي، وتكتب عليها رسائل لاذعة ومباشرة موجهة إلى رئيس شرطة المدينة، “بيل ويلوبي”.
تُحدث هذه الخطوة الجريئة توتراً كبيراً في بلدة “إيبينغ” الصغيرة؛ فبعض السكان يدعمونها، بينما يرى آخرون فيها هجوماً ظالماً على ويلوبي، لا سيما وأن مرضه العضال معروف للجميع. ومع تصاعد التوترات، تتزايد الأفعال العنيفة وردود الفعل العاطفية. ومن بين المعترضين، يبرز الضابط “جيسون ديكسون” — وهو شرطي عنيف وعنصري — يرى في هذه اللوحات إهانة شخصية له ولقسمه. وفاة ويلوبي المفاجئة، الذي انتحر تاركاً رسائل لعدة أشخاص من بينهم ميلدرد، تعقّد الأمور وتدفع المدينة إلى فوضى أخلاقية. لاحقاً، وبعد إيقافه عن العمل، يعثر ديكسون بالصدفة على دليل يقود إلى رجل مشبوه ؛ ورغم إثبات براءة هذا الرجل من القضية الأساسية، فإن المسار الذي يسلكه هذا التحقيق يغير شخصية ديكسون ويقربه من ميلدرد. يختتم الفيلم برحلة مشتركة ونهاية مفتوحة، حيث ينطلق الاثنان معاً لملاحقة المجرم الآخر دون يقين تام بشأن خطوتهما القادمة.
حظي الفيلم عند صدوره بإشادة واسعة من النقاد والجمهور على حد سواء، لنجاحه في إرضاء الجمهور العام والنخبة السينمائية معاً. إنه دراما تستعين بأفكار السينما الجنائية لتروي قصة عائلية مأساوية: ابنة عائلة مفككة تُقتل، وبعد فشل الشرطة في العثور على قاتلها، تلجأ الأم إلى تثبيت ثلاث لوحات إعلانية خارج المدينة للفت الانتباه. إنها فكرة رائعة وجذابة تستخدم عناصر الجريمة لرفع الإيقاع السردي ، وتثير صراعات كثيرة تقلب حياة السكان رأساً على عقب. في الواقع، ليست جريمة القتل هي القضية الأساسية في الفيلم، فالقاتل لا يُكشف في النهاية ؛ بل إن الفكرة الجوهرية تتمحور حول العلاقات الأسرية ونمط التواصل بين البشر. شخصيات هذا السرد غارقة في عوالمها الخاصة، ولا تستطيع الخروج من القوقعة التي أحاطت بها نفسها.
فيلم: المتسلل ليلاً (Nightcrawler)

المخرج: دان غيلروي
الممثلون: جيك جيلنهال، رينيه روسو، بيل باكستون
سنة الإنتاج: 2014
متوسط التقييم: 7.8 (IMDb)
يتتبع الفيلم شخصية “لو بلوم”؛ وهو رجل وحيد، عاطل عن العمل، يعاني من فقر مدقع ويلجأ إلى سرقات صغيرة للبقاء على قيد الحياة. ذات ليلة، يشاهد حادثاً تصوره مجموعة من المصورين المستقلين، فيُفتن بعالم الصحافة الجنائية الليلية ؛ ذلك العالم الذي يرى في كل مشهد دموي وكل صفارة إنذار فرصة للربح المالي.
يدخل “لو” هذا المجال بكاميرا رخيصة وجهاز استقبال لاسلكي لالتقاط ترددات الشرطة، ويكتشف سريعاً أن الصور الأكثر عنفاً وصدمة هي الأعلى سعراً. يبيع أولى لقطاته لـ “نينا رومينا”، مديرة الأخبار في محطة محلية، والتي تشجعه بدورها على البحث عن مشاهد أكثر إثارة ورعباً. ومع تصاعد طموحه الجشع، يبدأ “لو” في طمس الحدود بين المراقبة الصحفية والتدخل المباشر؛ فيعث بمشاهد الجرائم للحصول على “لقطة أفضل”، وينقل الجثث، ويخرب عمل منافسه لإقصائه من الساحة. كما يوظف شاباً بلا مأوى يدعى “ريك” كمساعد له، ويستغله بوضاعة، وفي ذروة قسوته، يقوم بتسجيل لحظة موت ريك أثناء مطاردة دموية ليبيع اللقطات بأعلى ثمن. في النهاية، ينجح “لو” في توسيع أعماله دون أي تبعات قانونية أو أخلاقية، ليتحول إلى رمز صارخ للرأسمالية المتوحشة ووسائل الإعلام المتعطشة للدماء.
إن أداء جيك جيلنهال الاستثنائي وفكرة الفيلم المتميزة جعلا منه أحد أفضل أفلام عقد 2010. وعبر سرد قصة “البطل الضد” واستخدام أفكار “النيو-نوّار” وعناصر سينما الجريمة الأمريكية في السبعينيات، وصل الفيلم إلى تركيبة ناجحة أصبحت مرجعاً لصانعي الأفلام. حبكة الفيلم قوية ومتماسكة لدرجة أنها تصلح كدرس أكاديمي لطلاب السينما.
تتحول المدينة في (Nightcrawler) إلى شخصية بحد ذاتها، حيث يشكل البؤس والجريمة والقلق جزءاً من هويتها. في البداية، كان غيلروي ينوي صنع فيلم تقليدي عن حياة مصور، لكنه بعد البحث في واقع الصحافة الصفراء غير فكرته وقرر تقديم عمل عن بطل ضد ؛ شخصية صيغت حياتها وفق منطق إعلام غير أخلاقي ورأسمالية استهلاكية شرهة. يحكي الفيلم قصة رجل يتاجر بالمآسي الإنسانية ويبيعها للقنوات، بينما يقف المشاهدون في طوابير لمشاهدة صور مروعة عن الدمار والموت.
فيلم: الأشرار ينامون جيداً (The Bad Sleep Well)

المخرج: أكيرا كوروساوا
الممثلون: تاكاشي شيمورا، توشيرو ميفوني
سنة الإنتاج: 1960
متوسط التقييم: 8 (IMDb)
فيلم (The Bad Sleep Well) هو دراما “نيو-نوّار” تدور حول “كويتشي نيشي” ؛ شاب ينجح في اختراق شركة حكومية كبرى بهدف الانتقام من المديرين الفاسدين الذين دفعوا والده إلى الانتحار. وللاقتراب من مركز السلطة، يتزوج نيشي من “يوشيكو”، ابنة نائب رئيس الشركة. وفي حفل الزفاف، تطفو على السطح دلائل فساد قديم ؛ منها تذكير بفضيحة أخفتها الوفاة المشبوهة لموظف أُلقي به من الطابق السابع. يمهد هذا المشهد الافتتاحي لخطة نيشي المحسوبة بدقة لكشف الحقيقة وتفكيك شبكة الفساد الإداري.
من موقعه الجديد، يبدأ نيشي في كشف طبقات الجرائم الخفية للشركة ، من الرشوة إلى التصفيات المشبوهة للموظفين. وينقذ أحد الموظفين من الانتحار ليستخدمه كشاهد رئيسي، ولكن كلما تقدم في خطته، رد النظام الفاسد بعنف وقمع أشد. يقدم الفيلم — الذي يعد اقتباساً حراً وعصرياً عن مسرحية “هاملت” لشكسبير — في نهايته صورة مريرة عن صراع الفرد ضد المؤسسات القوية، حيث تبدو الحقيقة والعدالة هشتين أمام البيروقراطية وسلطة النفوذ.
عندما غضبت استوديوهات “توهو” من تكاليف فيلم كوروساوا السابق، قرر المخرج تأسيس استوديوهاته الخاصة وصنع عمل اجتماعي يلامس قضايا الجمهور. لذا، يُعتبر هذا الفيلم أول عمل مستقل لكوروساوا، وأكثر أعماله جرأة وطابعاً سياسياً. الفيلم هو “نوّار” جنائي يدور في يابان ما بعد الحرب. وفي ثلاثة أفلام أخرى — (High and Low) و(The Drunken Angel) و(Stray Dog) — استكشف المخرج هذا النوع السينمائي وأظهر براعة فائقة فيه.
بطل هذا الفيلم، الذي يجسده توشيرو ميفوني، يتشابه في جوهره مع أبطال أفلام أخرى لكوروساوا مثل (Yojimbo) و(Sanjuro)، حيث يجمعهم قاسم مشترك وهو محاربة الفساد. المشهد الافتتاحي للفيلم في حفل الزفاف يُعد من اللقطات الذهبية التي ستظل مرجعاً بصرياً وسردياً، حتى إن المخرج فرانسيس فورد كوبولا اعترف بعد نجاح فيلمه العظيم (The Godfather) بأن مشهد زفاف ابنة فيتو كورليوني مستلهم مباشرة من هذا العمل لكوروساوا. يُعد الفيلم أحد الاقتباسات الثلاثة التي قدمها كوروساوا عن شكسبير ، وهو قراءة تعيد إنتاج روح أعماله السابقة مثل (Ikiru)، في فترة لم يكن فيها للمخرج الحرية الكاملة لعرض الفساد المستشري ونتائج البيروقراطية العقيمة.
انتظرونا قريباً في الجزء الرابع من سلسلة أفضل أفلام الجريمة.




