الأكثر شهرة

بنر ترويجي داخلي - مراجعة لعبة الخيال العلمي والمغامرات Split Fiction

أحدث

بنر ترويجي داخلي - مراجعة مسلسل الجريمة والتحقيق Bosch
الرئيسيةالأفلاممراجعات الأفلاممراجعة فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon): التاريخ كما...

مراجعة فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon): التاريخ كما يرويه الخاسرون!

ليست السينما دائماً مجرد وسيلة لإعادة تمثيل الماضي، بل قد تكون أيضاً أداة لإعادة النظر في الروايات الرسمية للتاريخ. ومن هذا المنطلق، يُعد فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) للمخرج مارتن سكورسيزي عملاً يستحق التأمل؛ فهو فيلم يبتعد عن قصص الأبطال المنتصرين والسرديات الأمريكية التقليدية، ليتجه نحو ضحايا التاريخ المنسيين، ويمنح صوتاً لأولئك الذين ظلوا لسنوات طويلة على هامش الروايات الرسمية.

تدور أحداث الفيلم استناداً إلى وقائع حقيقية في عشرينيات القرن الماضي بولاية أوكلاهوما، حيث حقق أفراد قبيلة الأوسيدج الثراء بعد اكتشاف النفط في أراضيهم. لكن هذا الثراء نفسه جعلهم هدفاً للطمع والعنف والمؤامرات. ومن خلال إعادة إحياء هذا الفصل المظلم من التاريخ الأمريكي، يبيّن سكورسيزي كيف يمكن للسلطة ورأس المال أن يتحولا، تحت غطاء القانون والنظام الاجتماعي، إلى أدوات للقمع والإقصاء.

ما يميز «قتلة زهرة القمر» عن كثير من الأعمال التاريخية هو نظرته النقدية إلى مفهوم التاريخ ذاته. فالفيلم لا يكتفي بسرد سلسلة من الجرائم، بل يكشف البنى السياسية والاجتماعية والثقافية التي جعلت وقوع هذه الجرائم أمراً ممكناً، بل ومقبولاً في بعض الأحيان. هنا يُروى التاريخ لا من منظور المنتصرين، بل من منظور الضحايا والخاسرين؛ أولئك الذين تلاشى حضورهم تدريجياً من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

وبالاعتماد على أداء تمثيلي متميز، وأجواء بصرية دقيقة، وسرد هادئ لكنه مؤثر، يدفع سكورسيزي المشاهد إلى التفكير فيما هو أبعد من مجرد قصة جنائية. يطرح الفيلم أسئلة جوهرية حول العدالة والعنصرية والاستعمار الداخلي وإساءة استخدام السلطة، ويُظهر كيف أن العديد من جراح التاريخ لا تزال حاضرة في جسد المجتمع حتى بعد مرور عقود طويلة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار «قتلة زهرة القمر» أكثر من مجرد دراما تاريخية أو فيلم جريمة. فهو محاولة لإعادة كتابة جزء من التاريخ الأمريكي المنسي، ذلك التاريخ الذي احتكر الأقوياء روايته لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، يذكّرنا الفيلم بأن فهم الماضي لا يتحقق فقط عبر الاستماع إلى أصوات المنتصرين، بل إن الحقيقة كثيراً ما تختبئ في روايات الخاسرين.

إنفوجرافيك تحليلي يوضح ملخص موضوعات وأحداث فيلم قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon)
إنفوجرافيك شامل لأبرز محاور فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon): مأساة الأوسيدج، الجشع، والخيانة.

القصة وبناء الشخصيات

تدور أحداث فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) في عشرينيات القرن الماضي داخل مجتمع الأوسيدج من السكان الأصليين في ولاية أوكلاهوما. وبعد اكتشاف النفط في أراضي القبيلة، يحقق أفرادها ثروة هائلة، لكن هذا النجاح المالي لا يجلب لهم الأمان والرفاهية بقدر ما يفتح الباب أمام موجة من الطمع والعنف. ومع تزايد الوفيات الغامضة وجرائم القتل المتسلسلة بحق أفراد القبيلة، تتحول الأحداث إلى حكاية مؤلمة عن الفساد والتمييز وإساءة استخدام النفوذ. ويقدّم سكورسيزي هذه المأساة التاريخية ليس بوصفها لغزاً جنائياً فحسب، بل باعتبارها رمزاً للاستغلال المنهجي الذي تعرض له السكان الأصليون في الولايات المتحدة.

في قلب القصة تقف شخصية إرنست بركهارت، التي يجسدها ليوناردو دي كابريو. إرنست رجل ساذج ومتردد وضيف أخلاقياً، يجد نفسه ممزقاً بين حبه لزوجته وولائه لعمه النافذ. وعلى عكس كثير من أبطال هوليوود، فهو ليس بطلاً شجاعاً ولا نقيض بطل يتمتع بالكاريزما، بل شخصية تقودها هشاشتها الأخلاقية إلى الانخراط في جريمة كبرى. وهذا التعقيد يجعل المشاهد يشعر تجاهه بمزيج من التعاطف والنفور في الوقت نفسه.

أما شخصية مولي كايل، التي تؤديها ليلي غلادستون، فتُعد من أبرز عناصر قوة الفيلم. مولي امرأة من قبيلة الأوسيدج تبدو هادئة وقليلة الكلام، لكنها تمتلك حضوراً مؤثراً وقوياً في مسار الأحداث. وتمثل مولي شعباً وقع ضحية للطمع والعنصرية، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على هويته وكرامته. كما أن علاقتها بإرنست تشكل القلب العاطفي للفيلم، حيث تتداخل فيها مشاعر الحب والثقة وخيانة والمأساة بصورة مؤلمة وعميقة.

إلى جانب هاتين الشخصيتين، يظهر ويليام هيل، الذي يؤدي دوره روبرت دي نيرو، باعتباره القوة الشريّرة الرئيسية في الفيلم. فهو رجل يبدو محترماً وخيّراً ويتمتع بنفوذ واسع داخل المجتمع، لكن خلف هذه الواجهة الهادئة يختبئ عقل شديد الدهاء والقسوة. ومن خلال هذه الشخصية، يوضح سكورسيزي أن الشر لا يأتي دائماً في صورة عنف مباشر، بل قد يتجسد أحياناً في أشخاص يحظون بالاحترام والثقة. وفي المجمل، تكمن قوة بناء الشخصيات في أن أياً منها لا يبدو أبيض أو أسود بالكامل، بل يمثل وجهاً من وجوه التعقيد الإنساني والاجتماعي في مرحلة مظلمة من تاريخ الولايات المتحدة.

الأداء التمثيلي والممثلون

تُعد مجموعة الممثلين المتميزة والانسجام اللافت بينهم واحدة من أبرز نقاط قوة فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon). فقد اعتمد مارتن سكورسيزي في سرد هذه القصة التاريخية المأساوية على ثلاثة ممثلين رئيسيين: ليوناردو دي كابريو في دور إرنست بركهارت، وليلي غلادستون في دور مولي كايل، وروبرت دي نيرو في دور ويليام هيل. وقد نجح الثلاثة في تقديم أداءات مختلفة لكنها متكاملة، أسهمت في خلق أجواء واقعية ومؤثرة، وجعلت الفيلم يتجاوز حدود الدراما التاريخية التقليدية.

ويقدم ليوناردو دي كابريو، في دور إرنست بركهارت، واحداً من أكثر أدواره تميزاً واختلافاً. فعلى خلاف العديد من شخصياته الشهيرة التي قامت على الذكاء والطموح والقوة، يجسد هنا شخصية مترددة وساذجة ومهزوزة أخلاقياً. ومن خلال لغة الجسد، والنظرات القلقة، وفترات الصمت الطويلة، ينجح دي كابريو في تجسيد الصراع الداخلي المعقد لهذه الشخصية. كما يضع المشاهد في موقف صعب يجعله يتفهم نقاط ضعف إرنست الإنسانية، وفي الوقت نفسه يشعر بالغضب من قراراته. وهذا الأداء الدقيق يمنح الشخصية عمقاً استثنائياً ويجعلها من أكثر شخصيات الفيلم تعقيداً.

بوستر رسمي لفيلم قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon) يظهر فيه الأبطال الرئيسيون وأبراج النفط
الملصق الرسمي لفيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon)، دراما ملحمية عن الطمع والعدالة المنسية.

ومن جهة أخرى، تقدم ليلي غلادستون في دور مولي كايل ربما أكثر أداءات الفيلم إنسانية وتأثيراً على المستوى العاطفي. فقوة أدائها لا تكمن في الحوار بقدر ما تتجلى في الصمت والنظرات والتعبير الداخلي. وتجسد غلادستون امرأة عالقة بين الحب والمرض وانعدام الثقة والمآسي العائلية، لكنها تحافظ رغم ذلك على كرامتها وصلابتها. كما يضفي حضورها على الفيلم بعداً وجدانياً يجعل المشاهد يدرك مأساة شعب الأوسيدج لا بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل تجربة إنسانية مؤلمة ومباشرة.

أما روبرت دي نيرو، فيقدم في دور ويليام هيل واحداً من أفضل أدواره خلال السنوات الأخيرة. فهو يصنع شخصية رجل يبدو لطيفاً ومتحضراً ومحترماً، بينما يخفي في داخله طمعاً وشرّاً عميقين. ومن دون مبالغة أو استعراض، ينقل دي نيرو إلى المشاهد شعوراً دائماً بالهيمنة والتهديد. وإلى جانب الأبطال الثلاثة، يضيف كل من جيسي بليمنز في دور المحقق، وبريندان فريزر في أحد الأدوار الثانوية المهمة، مزيداً من الثراء إلى الجانب التمثيلي للفيلم. وبفضل هذا المستوى الرفيع من الأداءات، أصبح «قتلة زهرة القمر» عملاً بارزاً ليس على مستوى السرد التاريخي فحسب، بل أيضاً كواحد من أبرز الإنجازات التمثيلية في مسيرة مارتن سكورسيزي.

تحليل الإخراج

يمكن اعتبار إخراج مارتن سكورسيزي في فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) واحداً من أكثر أعماله نضجاً وإثارة للتأمل في مسيرته السينمائية الطويلة. فعلى خلاف العديد من أفلام الجريمة التي تعتمد على التشويق والإثارة والمفاجآت، يختار سكورسيزي هنا مساراً مختلفاً تماماً؛ فهو يكشف منذ البداية هوية العديد من المتورطين في الجرائم، وبدلاً من التركيز على حل اللغز، يوجّه انتباه المشاهد إلى الآليات التي أدت إلى نشوء الظلم والفساد. وبهذا الأسلوب، يتحول الفيلم من حكاية بوليسية تقليدية إلى دراسة عميقة للطمع والسلطة والعنصرية.

ومن أبرز سمات إخراج سكورسيزي قدرته على بناء أجواء ثقيلة ومتدرجة التأثير. فإيقاع الفيلم أبطأ من العديد من أعماله الشهيرة مثل «الأصدقاء الطيبون» (GoodFellas) و«الراحلون» (The Departed)، إلا أن هذا البطء يبدو مقصوداً ومدروساً بعناية؛ إذ يمنح المخرج مساحة كافية لتقديم الشخصيات والعلاقات العائلية والبنية الاجتماعية لمجتمع الأوسيدج، ما يسمح للمشاهد بفهم الأبعاد الإنسانية للمأساة بصورة أعمق. ولذلك لا تبدو كل جريمة قتل أو خيانة مجرد حدث درامي، بل تتحول إلى صدمة عاطفية داخل عالم ارتبط به المشاهد مسبقاً.

كما يبرع سكورسيزي في توجيه الممثلين واستخراج أفضل ما لديهم. فقد قدم كل من ليوناردو دي كابريو وروبرت دي نيرو وليلي غلادستون أداءات تخدم السرد بشكل كامل، بعيداً عن المبالغة أو الاستعراض التمثيلي. تبدو الشخصيات طبيعية ومقنعة، وحتى أكثرها شراً لا تتحول إلى قوالب نمطية بسيطة. وقد ساهم هذا التوجيه الدقيق في جعل الصراعات النفسية والأخلاقية في الفيلم أكثر تأثيراً من أي عنصر آخر.

ومن جهة أخرى، يُعد المنظور التاريخي والإنساني الذي يتبناه سكورسيزي أهم إنجازات الفيلم الإخراجية. فبدلاً من رواية الأحداث من وجهة نظر أصحاب السلطة أو رجال القانون، يركز على الضحايا والناجين، محاولاً إيصال صوت شعب الأوسيدج الذي جرى تهميشه طويلاً. كما أن النهاية المبتكرة للفيلم تؤكد أن اهتمام المخرج لا يقتصر على إعادة بناء الماضي، بل يمتد إلى مساءلة الطريقة التي يُروى بها التاريخ وكيف يُنسى الضحايا داخل الذاكرة الجماعية. لذلك يُعد «قتلة زهرة القمر» نموذجاً ناجحاً للسينما التاريخية التي تتكامل فيها الرؤية الفنية مع المضمون والنقد الاجتماعي.

تصميم فني وبوستر ترويجي لمراجعة فيلم قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon) يبرز أبطال الفيلم وعنوان المقال
«قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon): تاريخ مؤلم وجريمة لم تُحل من قلب أمريكا.

الطبقات الخفية في الفيلم

تُعدّ انتقاد فكرة «الحلم الأمريكي» واحدة من أهم الطبقات الخفية في «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon). فعلى المستوى الظاهري، يروي الفيلم سلسلة من جرائم القتل التي استهدفت أفراد قبيلة الأوسيدج، لكنه في العمق يكشف كيف أن مجتمعاً قام على شعارات الحرية والفرص والتقدم كان مستعداً لتجاهل حقوق السكان الأصليين، بل وحياتهم، من أجل الوصول إلى الثروة. ولا يمثل النفط في الفيلم مجرد مورد اقتصادي، بل يصبح رمزاً لإغواء السلطة ورأس المال؛ ذلك الإغواء القادر على إفساد العلاقات الإنسانية والحب والأخلاق.

أما الطبقة الثانية فتتعلق بفكرة الاستعمار الخفي. فعلى عكس كثير من الأعمال التاريخية التي تقدم الاستعمار في صورة احتلال مباشر أو حروب واضحة، يصور سكورسيزي شكلاً أكثر تعقيداً وحداثة منه. فالشخصيات البيضاء في الفيلم تبدو ظاهرياً أصدقاءً وجيراناً وأحياناً أفراداً من عائلات الأوسيدج، لكنها في الحقيقة تخطط للاستيلاء على ثرواتهم. ومن خلال ذلك، يوضح الفيلم أن الاستغلال لا يأتي دائماً في صورة عنف صريح، بل قد يتخفى خلف مشاعر المودة والدعم والعلاقات الأسرية.

كما تحمل العلاقة بين إرنست ومولي دلالات تتجاوز حدود القصة الرومانسية التقليدية؛ إذ يمكن النظر إليها بوصفها رمزاً للعلاقة بين ثقافتين: ثقافة تتعرض للاستغلال، وأخرى تستفيد من هذا الاستغلال. فإرنست يحب مولي بالفعل، لكنه في الوقت نفسه جزء من نظام قائم على استغلالها واستغلال عائلتها. ويكشف هذا التناقض أن الشر في الفيلم ليس مجرد نتاج لأفراد أشرار، بل نتيجة منظومة اجتماعية تجعل حتى الأشخاص العاديين شركاء في الجريمة.

وربما تكمن أعمق طبقات الفيلم في تأمله لمفهومي التاريخ والذاكرة الجماعية. فسكورسيزي يسعى إلى إظهار أن كثيراً من الجرائم التاريخية لم تقع فحسب، بل جرى لاحقاً تهميشها أو نسيانها. كما تؤكد النهاية غير التقليدية للفيلم أن التاريخ غالباً ما يُروى بأصوات الأقوياء، فيما تتلاشى أصوات الضحايا مع مرور الزمن. ولهذا السبب لا يتحدث «قتلة زهرة القمر» عن جرائم قتل حدثت في عشرينيات القرن الماضي فحسب، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول من يمتلك حق سرد التاريخ، ولماذا تُمحى بعض المعاناة من الذاكرة العامة لعقود طويلة. وهذه الرؤية هي التي ترفع الفيلم من مجرد دراما جنائية إلى عمل إنساني وسياسي عميق.

نقاط القوة

تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) في السيناريو وطريقة السرد. فبدلاً من التركيز حصراً على الجانب البوليسي أو الغامض للجرائم، يسعى الفيلم إلى تقديم صورة شاملة لمأساة تاريخية حقيقية. ويبتعد سكورسيزي عن السؤال التقليدي: «من هو القاتل؟»، ليطرح سؤالاً أكثر أهمية: «كيف أصبحت مثل هذه الجرائم ممكنة؟». وقد منح هذا التوجه الفيلم عمقاً تاريخياً واجتماعياً واضحاً، ودفع المشاهد إلى التفكير في قضايا أوسع مثل السلطة والعنصرية والاستعمار.

وتبرز قوة أخرى للفيلم في مستواه التقني الرفيع. فقد نجح مدير التصوير رودريغو برييتو في رسم صورة حيّة لأوكلاهوما في عشرينيات القرن الماضي من خلال تكوينات بصرية دقيقة واختيار ألوان تتناسب مع أجواء القصة. كما أن تصميم الديكورات والأزياء وإعادة بناء التفاصيل التاريخية جاء على مستوى عالٍ من الإتقان، مما عزز الشعور بالواقعية. وإلى جانب ذلك، تؤدي الموسيقى التصويرية دوراً مؤثراً في نقل مشاعر الحزن والتوتر والقلق من دون أن تفرض حضورها بشكل مبالغ فيه.

بوستر ترويجي لفيلم قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon) يظهر شخصية مولي كايل وهي تنظر من النافذة مع عنوان الفيلم
نظرة تأمل ومأساة في بوستر فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon)

وفي النهاية، يمكن القول إن أعظم مزايا الفيلم تكمن في المزج الناجح بين الإخراج القوي والأداءات التمثيلية المتميزة والمعالجة الإنسانية للموضوع. فقد تمكن سكورسيزي من تقديم عمل يتمتع بقيمة فنية عالية وأهمية تاريخية وثقافية في الوقت نفسه. كما أن الشخصيات متعددة الأبعاد، والأداء المؤثر لكل من ليوناردو دي كابريو وليلي غلادستون وروبرت دي نيرو، إضافة إلى النظرة المتعاطفة تجاه ضحايا هذه المأساة التاريخية، جعلت من «قتلة زهرة القمر» عملاً يتجاوز حدود أفلام الجريمة والتاريخ، ليصبح فيلماً مؤثراً عن الحقيقة والذاكرة التاريخية والثمن الباهظ للطمع البشري.

نقاط الضعف

على الرغم من جميع نقاط القوة التي يتمتع بها فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon)، فإنه لا يخلو من بعض أوجه القصور. وتتمثل أبرز نقاط ضعفه في اتساع نطاق القصة وتعدد الشخصيات والخطوط السردية الفرعية. فقضية جرائم قتل الأوسيدج لا تقتصر على عدد محدود من الضحايا والجناة، بل تشمل شبكة معقدة من العلاقات العائلية والفساد الاقتصادي والتمييز العنصري والمؤامرات المتعددة. وقد حاول سكورسيزي تضمين جانب كبير من هذه العناصر داخل الفيلم، إلا أن طبيعة السينما وحدودها الزمنية جعلت بعض الخطوط الدرامية تُطرح بشكل سريع أو تلميحي من دون أن تنال ما تستحقه من تعمق وتفصيل.

وتتعلق ملاحظة أخرى بإيقاع السرد. فعلى الرغم من أن مدة الفيلم تتجاوز ثلاث ساعات ونصف الساعة، فإن كثرة الأحداث والشخصيات والوقائع التاريخية تدفع الحكاية في العديد من المواضع إلى الانتقال بسرعة بين بعض المحطات المهمة. ونتيجة لذلك، قد يشعر المشاهد أحياناً بأن بعض الشخصيات الثانوية أو الأحداث الجوهرية كانت تستحق مساحة أكبر من التطور والنمو الدرامي. وتبدو هذه الملاحظة أكثر وضوحاً لدى المشاهدين المطلعين على التاريخ الحقيقي لجرائم الأوسيدج، والذين يدركون أن وراء كل حادثة من هذه الحوادث قصصاً مستقلة ومثيرة للاهتمام.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المادة الأصلية التي استند إليها الفيلم كانت تملك مقومات مناسبة للتحول إلى مسلسل قصير أو عمل تلفزيوني متعدد الحلقات. فالتعدد الكبير للشخصيات، وتنوع القضايا الجنائية، والتعقيدات الاجتماعية والتاريخية المصاحبة لهذه الأحداث، كانت ستجد مساحة أوسع للمعالجة في صيغة مسلسل. فرغم أن ثلاث ساعات ونصف الساعة تُعد مدة طويلة نسبياً بالنسبة لفيلم سينمائي، فإنها لا تكفي لتقديم جميع القصص والخطوط الفرعية المرتبطة بمأساة الأوسيدج بصورة كاملة. ولهذا قد يشعر بعض المشاهدين بعد انتهاء الفيلم بأن أجزاءً من العالم الدرامي ومصائر بعض الشخصيات كانت تستحق مزيداً من التفصيل والتوسع.

ردود الفعل والجوائز

حظي فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) باستقبال نقدي واسع منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي عام 2023، واعتبره كثير من النقاد ووسائل الإعلام السينمائية واحداً من أبرز أعمال مارتن سكورسيزي في السنوات الأخيرة. وقد أشاد معظم النقاد بنظرته المختلفة إلى التاريخ الأمريكي، وبإخراج سكورسيزي، وسيناريو الفيلم المقتبس، إضافة إلى الأداءات القوية لطاقم العمل الرئيسي. كما اختاره معهد الفيلم الأمريكي (AFI) ضمن قائمة أفضل عشرة أفلام لعام 2023، وفاز أيضاً بجائزة أفضل فيلم من المجلس الوطني للمراجعة (National Board of Review).

وعلى صعيد الجوائز والترشيحات، حقق «قتلة زهرة القمر» حضوراً لافتاً خلال موسم الجوائز، وكان أحد أبرز المنافسين في العديد من المحافل السينمائية. فقد نال 10 ترشيحات لجوائز الأوسكار، من بينها أفضل فيلم، وأفضل مخرج لـمارتن سكورسيزي، وأفضل ممثلة لـليلي غلادستون، وأفضل ممثل مساعد لـروبرت دي نيرو. كما حصل على سبعة ترشيحات في جوائز الغولدن غلوب 2024، وتمكنت ليلي غلادستون من الفوز بجائزة أفضل ممثلة في فيلم درامي. وإلى جانب الأوسكار والغولدن غلوب، حصد الفيلم ترشيحات وجوائز عديدة في جوائز البافتا، ونقابة ممثلي الشاشة (SAG)، والعديد من جمعيات النقاد والمهرجانات الدولية.

بوستر ترويجي لفيلم قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon) يظهر فيه ليوناردو دي كابريو أثناء قيادة السيارة مع عنوان الفيلم
أرض، بشر، خيانة وقصة حقيقية في بوستر فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon)

ومع ذلك، لم تكن ردود الفعل تجاه الفيلم إيجابية بالكامل. فقد انتقد بعض النقاد، إلى جانب شريحة من الجمهور، طول مدة الفيلم وتركيزه الكبير على شخصية إرنست بركهارت أكثر من تركيزه على أفراد قبيلة الأوسيدج أنفسهم. ورغم هذه الملاحظات، ظل الإجماع العام إيجابياً، واعتبره كثيرون واحداً من أهم الأفلام التاريخية والاجتماعية في السنوات الأخيرة. أما في تقييم هيئة تحرير «عرب شوتايم»، فقد حصل الفيلم على 7 من 10، وهو تقييم يعكس جودة العمل ومستواه الجيد، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى بعض الملاحظات السردية والبنيوية التي أشرنا إليها سابقاً.

الخلاصة

في النهاية، يمكن اعتبار فيلم «قتلة زهرة القمر» (Killers of the Flower Moon) واحداً من أكثر الأعمال طموحاً وأهمية في المرحلة المتأخرة من مسيرة مارتن سكورسيزي. فهو عمل يتجاوز حدود الدراما التاريخية أو أفلام الجريمة التقليدية، ويسعى إلى إعادة سرد جزء من التاريخ الأمريكي المنسي من منظور الضحايا. ومن خلال قصة حقيقية ومؤلمة، يضع سكورسيزي المشاهد أمام أحد أكثر الفصول قتامة في تاريخ العلاقة بين المستوطنين البيض والسكان الأصليين في الولايات المتحدة، كاشفاً كيف يمكن للطمع والسلطة والعنصرية أن تعمل تحت غطاء القانون والعلاقات الاجتماعية.

ويتميز الفيلم بعناصر فنية عديدة تستحق الإشادة، بدءاً من الإخراج والأداء التمثيلي، مروراً بالتصوير السينمائي، ووصولاً إلى بناء الشخصيات. كما أن وجود أسماء مثل ليوناردو دي كابريو وروبرت دي نيرو وليلي غلادستون أضفى على العمل ثقلاً فنياً واضحاً، وساهم في منح الحكاية التاريخية أبعاداً إنسانية وعاطفية مؤثرة. وفي المقابل، فإن تشعب الأحداث الحقيقية وكثرة الشخصيات جعلت بعض القصص الفرعية أقل حظاً من حيث التعمق والتفصيل، وهي مشكلة ربما كان من الممكن تجاوزها لو قُدّم المشروع في هيئة مسلسل قصير.

ورغم هذه الملاحظات، يبقى «قتلة زهرة القمر» عملاً مؤثراً وذا قيمة كبيرة، لأنه لا يكتفي بإعادة سرد حدث تاريخي، بل يدعو المشاهد إلى إعادة التفكير في مفاهيم التاريخ والعدالة والذاكرة الجماعية. ويذكرنا الفيلم بأن كثيراً من المآسي والجرائم طواها النسيان بسبب هيمنة الروايات الرسمية، وأن السينما لا تزال قادرة على إعادة أصوات المهمشين والمنسيين إلى واجهة التاريخ. ولهذا فإن أهمية «قتلة زهرة القمر» لا تكمن فقط في جودته الفنية، بل أيضاً في رسالته الإنسانية والتاريخية العميقة التي تظل عالقة في ذهن المشاهد لفترة طويلة بعد انتهاء العرض.

تقييم هيئة تحرير “عرب شوتايم” لفيلم «قتلة زهرة القمر»: 7 من 10

ما رأيكم؟

كيف تقيّمون فيلم «قتلة زهرة القمر»؟ وهل تتفقون مع رؤية مارتن سكورسيزي لهذا الفصل من التاريخ الأمريكي، أم ترون أن الفيلم كان بحاجة إلى التركيز بشكل أكبر على شخصيات قبيلة الأوسيدج نفسها؟ وهل تعتقدون أن مدة الفيلم الطويلة كانت نقطة قوة، أم أن تحويله إلى مسلسل قصير كان سيمنحه فرصة أفضل لاستكشاف جميع هذه الأحداث والشخصيات؟

🌙 شاركونا آراءكم وتقييماتكم للفيلم في قسم التعليقات. وإذا كنتم قد شاهدتم العمل، فما هو المشهد الأكثر رسوخاً في ذاكرتكم؟ ومن هو أفضل ممثل في الفيلم من وجهة نظركم؟🎬👇

علي رضا خوارزمي
علي رضا خوارزميhttps://arabshowtime.com
مصور فوتوغرافي محترف ورئيس تحرير موقع عرب شوتايم. متخصص في تحليل ونقد السينما العالمية، المسلسلات، وألعاب الفيديو. يسعى من خلال قلم ورؤية مستقلة إلى تقديم تغطية شاملة وتحليلات عميقة لكل ما هو جديد في عالم الترفيه والثقافة البصرية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

مقالات ذات صلة