الرئيسيةالأفلاممراجعات الأفلاممراجعة فیلم «كائنات مسكينة» (Poor Things): نجاح مزيّف خلف القناع البراق

مراجعة فیلم «كائنات مسكينة» (Poor Things): نجاح مزيّف خلف القناع البراق

Google search engine

فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things) -الذي يُعرف أحياناً بترجمة أخرى هي “البؤساء”- من إخراج يورغوس لانثيموس، يُعدّ واحداً من أكثر الأعمال إثارةً للجدل في السنوات الأخيرة؛ إذ استطاع عبر حملات دعائية واسعة ومشاركته في مهرجانات عالمية مرموقة أن يجذب انتباه النقّاد والجمهور. غير أنّ خلف هذا المظهر البراق تختبئ حكاية غير متماسكة وعمل مثقل بالشعارات السطحية. هذا التناقض بين النجاح الظاهري والجودة الفعلية هو نقطة الانطلاق للنقد الذي نتناوله في هذه المقالة.

لانثيموس كان قد أظهر في أعماله السابقة مثل “الكركند” و”قتل غزال مقدّس” شغفه بابتكار عوالم غريبة والتلاعب بالفلسفة بأسلوب مختلف. لكن في “كائنات مسكينة”، هذا الانغماس المفرط في الرموز والشعارات جاء على حساب السينما نفسها. فبدلاً من التركيز على السرد وبناء الشخصيات، ينشغل الفيلم باستعارات سطحية وتقنيات بصرية مبالغ فيها، وكأن الهدف الأساسي ليس صناعة عمل سينمائي بل لفت أنظار المهرجانات.

من جهة أخرى، يحاول “كائنات مسكينة” عبر استخدام رموز دينية وفلسفية أن يقدّم نفسه كعمل عميق. فشخصية بيلا تمثّل حواء، وغادوِن يمثّل الله، ورحلاتهما الرمزية في مدن وأماكن مختلفة يُفترض أن تبني طبقات خفية للفيلم. لكن هذه الرموز، بسبب ضعف السرد وبناء الشخصيات، تبدو أقرب إلى شعارات متناثرة منها إلى عناصر سينمائية جادة. وهذا ما يجعل الفيلم سطحياً غير قادر على دفع المشاهد إلى التفكير الحقيقي.

في النهاية، “كائنات مسكينة” مثال واضح على سينما اليوم التي باتت أكثر ارتباطاً بالدعاية والجوائز من وفائها للفن. نجاحه المزيّف هو حصيلة آليات المهرجانات والدعاية المفصّلة، لا نتيجة جودة سينمائية حقيقية. هذه المقالة تسعى إلى تحليل القصة، الشخصيات، الإخراج، التمثيل، الرموز والدعاية، لتبيّن لماذا يُعدّ “كائنات مسكينة” رغم مظهره البراق واحداً من أضعف وأشدّ الأعمال شعاراتية في مسيرة لانثيموس.

نظرة على القصة وبناء الشخصيات في فيلم «كائنات مسكينة»

يروي فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things) رحلة غريبة وغير مألوفة تبدأ بانتحار امرأة ثم عودتها إلى الحياة في هيئة شخصية تُدعى بيلا. غادوِن، العالم المنعزل والغريب الأطوار، يزرع دماغ جنين في جسدها ليخلق كائناً يبدو بالغاً جسدياً لكنه يملك عقلاً طفولياً. تبدأ الحكاية من بيت غادوِن، ومع نمو بيلا تدريجياً (وأحياناً بشكل مفاجئ)، تخرج إلى العالم الخارجي؛ أولاً برفقة دانكن، التاجر المخادع، ثم عبر مسارات مختلفة يُفترض أن تعرّفها بجوانب متعددة من الإنسانية. السرد يتوزع على عدة مراحل: رحلة بحرية، مواجهة الطبقات الاجتماعية، دخول باريس، وأخيراً العودة إلى بيت غادوِن حيث يُكشف ماضي بيلا وتنتهي القصة بخاتمة مثيرة للجدل.

في بدايته، يوحي الفيلم بأنه سيقدّم سرداً صادماً ومختلفاً. مشهد الانتحار الأول للمرأة الشابة، مع دخول بيت غادوِن الغريب، يخلق جواً مليئاً بالغموض والالتباس. تصرفات بيلا الطفولية وغير المألوفة، تصميم المشاهد والأزياء المبالغ فيه، الماكياج غير الإنساني لغادوِن وحتى الموسيقى غير المتناغمة، جميعها تخدم بناء عالم يُفترض أن يكون غريباً، مثيراً للفضول ومقلقاً في آن واحد. هذه البداية تبدو قاعدة صلبة لعمل لانثيموسي حيث الشكل والمضمون في انسجام كامل، ما يدعو المشاهد لاكتشاف أسرار الشخصيات.

إنفوغرافيك لفيلم «كائنات مسكينة» (Poor Things) يوضح الفوضى السردية والرموز السطحية في العمل
إنفوغرافيك يكشف جوهر فيلم «كائنات مسكينة» خلف مظهره البراق

لكن هذا التماسك سرعان ما ينهار. ففي الدقيقة الخامسة والعشرين تقريباً، تنتقل بيلا فجأة من مرحلة الطفولة إلى البلوغ الجنسي؛ قفزة بلا تمهيد ولا منطق سردي. هذا التحول المفاجئ هو أول مؤشر على الثغرات الكبيرة في السيناريو. ورغم أن أداء إيما ستون القوي يخفي جزئياً هذا النقص، إلا أنّ الحقيقة أنّ بناء شخصية بيلا يصبح منذ تلك اللحظة غير مستقر. المشاهد يُجبر على قبول تغيّراتها لا بسبب السرد، بل فقط بفضل التمثيل.

مع دخول دانكن وبدء رحلة بيلا، يدخل السرد مرحلة يُفترض أنها تُظهر نمو الشخصية، لكنه عملياً يفقد انسجامه. العلاقة بين بيلا ودانكن تبدو في البداية مقنعة، وبعض اللحظات مثل مشهد الرقص في المطعم تبقى جذابة بفضل أداء ستون ورافالو. لكن الجزء الثاني من الفيلم يطول أكثر من اللازم، والمشاهد المتعلقة بغادوِن وتلميذه لا تضيف شيئاً للقصة. من هنا، يتحول بناء شخصية بيلا من مسار تطوري إلى سلسلة من التصرفات غير المتوقعة وغير المنطقية.

في الجزء الثالث، يصل هذا الخلل إلى ذروته. سلوك بيلا تجاه دانكن يتغير فجأة، ويحاول المخرج أن يقدّم هذا التغيير كعلامة على نضجها العقلي؛ لكن غياب أي تمهيد يجعل المشاهد غير قادر على مواكبة الشخصية بل يبتعد عنها. إضافة شخصيات جديدة لا يساعد السرد؛ فجميعها نماذج شعاراتية أُدخلت فقط لطرح رسائل سطحية عن الطبقة والسلطة. مشهد الإسكندرية مثال واضح على هذا الضعف؛ حيث يستبدل الفيلم بناء الشخصيات بالشعارات الاجتماعية الخام.

في النهاية، يخرج الفيلم في أجزائه الأخيرة تماماً عن مسار بناء الشخصيات. تتحول بيلا فجأة إلى امرأة مفكرة و”كاملة”، دون أن يكون هذا التطور مفهوماً عبر مسار الفيلم. قراراتها، من الدعارة إلى العلاقات المفاجئة، تحدث بلا تمهيد ولا تأثير فعلي على السرد. الخاتمة تزيد هذا الضعف وضوحاً؛ إذ يحاول لانثيموس أن يقدّم بيلا كرمز “الإنسان الكامل”، لكن النتيجة ليست سوى نهاية غير إنسانية، متسرعة، ومنفصلة تماماً عن مسار تطور شخصيتها. الفيلم يدّعي أنه يروي رحلة اكتشاف الذات لبيلا، لكن ما يقدمه فعلياً هو سلسلة من القفزات غير المنطقية التي تحوّل البطلة من شخصية قابلة للتصديق إلى كيان بلا هوية.

تحليل الإخراج والتقنيات في فيلم «كائنات مسكينة»

يورغوس لانثيموس، المخرج اليوناني ذو الأسلوب الخاص، عُرف منذ سنوات بأعماله غير المألوفة ورؤيته الغريبة للعالم؛ من “الكركند” إلى “مقتل غزال مقدّس”. غالباً ما يحاول المزج بين العنف البارد، السخرية السوداء والتأملات الفلسفية السطحية ليبني عالماً مختلفاً. لكن في “كائنات مسكينة”، هذا المسعى خرج عن السيطرة أكثر من أي وقت مضى. إذ غرق لانثيموس في أفكار مجردة وشعارات شبه فلسفية حتى نسي السينما نفسها؛ وكأن الشكل والتقنية بالنسبة له مجرد أدوات لإحداث صدمة لا لبناء سرد. النتيجة فيلم منذ بدايته يربك المشاهد بخيارات بصرية غريبة وإخراج مبالغ فيه، فيثير الحيرة أكثر مما يثير التفاعل.

أحد أبرز نقاط الضعف التقنية في الفيلم هو أسلوب التصوير. لانثيموس يثبت مرة أخرى أنه لا يأخذ المبادئ الأساسية للتصوير على محمل الجد. استخدامه المتكرر لعدسات “عين السمكة”، اللقطات فائقة الاتساع، وحركات التكبير والتصغير المستمرة لا يخدم الشكل الفني بل يفسد تجربة المشاهدة. هذه التقنيات تكتسب معناها فقط حين تكون في خدمة السرد، لكن في “كائنات مسكينة” (Poor Things) استُعملت كزينة غريبة لا أكثر. يظن لانثيموس أنه يصنع تعقيداً بهذه الصور غير المألوفة، بينما النتيجة مجرد فوضى بصرية تُرهق العين ولا تبني إحساساً أو معنى.

المشكلة ذاتها تظهر في الموسيقى التصويرية. فهي لا تنسجم مع أجواء الفيلم، بل في كثير من اللحظات تكون مزعجة وصاخبة. حتى المشاهدون الذين ليست لديهم أي معرفة بالموسيقى يلاحظون أن هذه الأصوات لا تخدم العاطفة ولا السرد. لانثيموس غرق في “حياكة المحتوى” إلى درجة أنه هدم الأطر الفنية وصنع صورة بالكاد تشبه عملاً سينمائياً. الموسيقى لا تبني توتراً، ولا حزناً، ولا تفكيراً؛ بل تضيف فقط إلى الفوضى العامة للفيلم.

إنفوغرافيك يوضح التحليل النقدي لفيلم «كائنات مسكينة» (Poor Things) من حيث الإخراج والتمثيل والرموز
إنفوغرافيك يكشف خفايا فيلم «كائنات مسكينة» بعيداً عن بريق الجوائز

من الناحية السردية، يعاني إخراج لانثيموس من نفس العيوب المعتادة. فهو يتناول قضايا اجتماعية بسيطة وموضوعات فلسفية سطحية عبر صور غريبة، لكنه حتى في هذا المستوى لا ينجح في رواية أفكاره بشكل صحيح. المشاهد غير المألوفة، التكوينات المبالغ فيها، وتصميم المشاهد الغريب يُفترض أن يخلق تعقيداً، لكنه عملياً لا ينتج أي معنى. “كائنات مسكينة” مثل كثير من أعماله السابقة، يملك سيناريو بسيطاً وضعيفاً يختبئ خلف مظهر معقد زائف. هذا المظهر المخادع لا عمق له ولا انسجام؛ مجرد محاولة لإيهام المشاهد بوجود معنى.

أحد أكبر أخطاء الإخراج في “كائنات مسكينة” هو الإفراط في عرض المشاهد الإيروتيكية. لانثيموس يركز عليها إلى درجة أن الفيلم ينحرف عن مساره الأساسي ويقترب من أن يكون عملاً بورنوغرافياً. عرض العلاقات الجنسية في السينما ليس مشكلة بحد ذاته، شرط أن يكون في خدمة الشكل الفني، لكن هنا لا علاقة له بالسرد ويكشف فقط عن اهتمام شخصي للمخرج. للمقارنة، يكفي النظر إلى فيلم “سبعة” لديفيد فينشر؛ حيث العلاقة العاطفية بين الشرطي وزوجته في البداية تُستخدم لتمنح صدمة النهاية معنى عاطفياً. في “كائنات مسكينة” لا وجود لمثل هذا الترابط؛ المشاهد بلا معنى ولا تأثير، وتضيف فقط إلى الفوضى الشكلية للعمل.

أداء الممثلين ومراجعة التمثيل في فيلم «كائنات مسكينة»

أول وربما الوحيد من نقاط القوة في التمثيل هو أداء إيما ستون في دور بيلا باكستر. ستون أثبتت سابقاً قدرتها على خلق شخصيات معقدة ومتعددة الأبعاد، وهنا أيضاً، رغم ضعف السيناريو، تحاول أن تجعل هذا الكائن الغريب المولود من خيال لانثيموس قابلاً للتصديق للمشاهد. بمزيج من البراءة الطفولية، الفضول المستمر والسلوك غير المألوف، تبني شخصية تبدو جذابة على الأقل في ظاهرها. لكن هذه الجاذبية لا تصل إلى حد التعاطف الحقيقي؛ لأن ضعف السرد يمنع المشاهد من الارتباط فعلياً بمصير بيلا. أداء ستون جيد، لكنه ليس كافياً لسد فجوات السرد والشخصية.

در المقابل، لم يتمكن باقي الممثلين المعروفين من تجاوز ظل ضعف بناء الشخصيات. مارك رافالو في دور دانكن، ويليم دافو في دور غادوِن، ورامي يوسف في دور ماكندلس، جميعهم محاصرون في شخصيات بلا منطق سلوكي ولا مسار تطوري واضح. النتيجة هي أداءات غالباً مصطنعة، مبالغ فيها، وتفتقر إلى العمق. رافالو يحاول أن يستخرج لحظات كوميدية من وسط هذه الفوضى وينجح أحياناً، لكن نجاحه مؤقت ولا يصل إلى انسجام. أما دافو، فرغم الماكياج الغريب وحضوره القوي في بداية الفيلم، يظهر عملياً كـ”إله سلبي” بلا فعل محدد، وهذا الجمود يقيّد أداءه.

هذا “الإله السلبي” الذي خلقه لانثيموس في شخصية غادوِن يشبه إلى حد كبير إله فيلم “الأم!” لدارين أرونوفسكي؛ كائن يخلق فقط ثم يقف جانباً. مثل هذه الشخصية، بسبب غياب المنطق السلوكي، تحرم الممثل من فرصة تطوير الأداء. مقارنة هذا الدور بإله فيلم “عرض ترومان” (الذي أداه إد هاريس) تُظهر أهمية بناء الشخصية؛ ففي “عرض ترومان” يظهر غضب ولطف ومنطق الإله في السلوك والحوار، ما يمنح الممثل مساحة لإحياء الدور. أما في “كائنات مسكينة”، فغادوِن بلا منطق، بلا فعل، بلا عمق؛ لذلك لم يستطع دافو أن يقدم أكثر من صورة غريبة.

في المحصلة، ضعف بناء الشخصيات في “كائنات مسكينة” (Poor Things) ينعكس مباشرة على جودة الأداء التمثيلي. ستون تبذل كل جهدها لإنقاذ شخصية بيلا من الانهيار، لكن باقي الممثلين لا يملكون هذه الفرصة. الشخصيات الثانوية إما شعاراتية، أو بلا منطق، أو مجرد أدوات للسرد. هذا الوضع يجعل الأداء التمثيلي عناصر زخرفية بدلاً من أن يكون ركائز للسرد. كان يمكن لـ”كائنات مسكينة” أن يكون عملاً قوياً من ناحية التمثيل، لكن السيناريو وبناء العالم الذي صنعه لانثيموس لم يسمح لأي من الممثلين ــ باستثناء ستون ــ أن يتألق حقاً.

بوستر فيلم «كائنات مسكينة» (Poor Things) يعكس الطابع البصري الغريب والمثير للجدل في العمل
بوستر فيلم «كائنات مسكينة» يكشف عالمه الغريب خلف الواجهة البراقة

الرموز والطبقات الخفية في فيلم «كائنات مسكينة»

يُعدّ فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things) في نظر عام استعارةً لقصة خلق آدم وحواء. شخصية بيلا باكستر تمثل بوضوح حواء؛ المرأة التي تُطرد من الجنة بعد اكتشافها للذة وتجارب جديدة. في رواية لانثيموس، هذا الطرد لا يحدث عبر أكل التفاحة، بل عبر الاستمناء ثم إغواء دانكن الذي يمثل الشيطان. دانكن يخرجها من بيت غادوِن ــ الجنة الأولى ــ إلى عالم مليء بالشهوة والخداع. هذا التوظيف، رغم أنه يبدو إبداعياً، إلا أنه بسبب ضعف السرد والمبالغة في الرمزية، أقرب إلى لعبة سطحية بالأساطير منه إلى قراءة جادة لقصة الخلق.

غادوِن باكستر هنا رمز لله؛ لكن الله الذي يصوره لانثيموس يختلف كثيراً عن إله الأديان. فهو بلا غضب ولا إجبار، يكتفي بالخلق والتنبيه. يحاول أن يُبقي بيلا في البيت، لكنه يمنحها حرية كاملة. هذا التصوير قد يُفهم كانتقاد للصورة التقليدية لله في الأديان، لكنه عملياً يجعل شخصية غادوِن سلبية وغير منطقية، أقرب إلى نموذج غريب منها إلى رمز فلسفي. لا مبالاته بمعاناة البشر وحتى عجزه الجنسي، تُعدّ سخرية مباشرة من إله المسيحية، لكنها سخرية سطحية بلا عمق.

الفيلم يستخدم أيضاً رموزاً بصرية متعددة؛ مثل الجروح المشابهة للصليب على أجساد الشخصيات، ورقم 12 على باب البيت الذي يشير إلى الروحانية والارتباط بالله. هذه العلامات يُفترض أن تبني طبقات خفية للعمل، لكنها بسبب فوضى السرد تتحول إلى زخارف بلا معنى. لانثيموس يظن أن مثل هذه التفاصيل تمنح فيلمه تعقيداً، بينما هي في الحقيقة تزيد ارتباك المشاهد دون أن تضيف انسجاماً للقصة.

رحلة بيلا صُممت أيضاً كمراحل رمزية: الخلق، لشبونة (مدينة الشهوة)، السفينة (العقلانية)، الإسكندرية (ظلمة الإنسانية)، باريس (ذروة النمو)، ولندن (العودة إلى الجنة). هذه المراحل تبدو ظاهرياً مساراً تكاملياً، لكنها عملياً غير مُعالجة بشكل صحيح. تحولات بيلا في كل مرحلة مفاجئة وغير قابلة للتصديق، والرموز تختزل الرحلة إلى شعارات سطحية عن الشهوة أو العقل أو الظلم الاجتماعي. هذا المسار الرمزي، بدلاً من أن يكون رحلة فلسفية، يشبه قائمة أماكن غريبة تمر بها البطلة.

في النهاية، يحاول “كائنات مسكينة” أن يقدم رؤية جديدة للخلق والله عبر رموزه وطبقاته الخفية، لكن النتيجة مجرد فوضى. الرموز بلا انسجام ولا عمق، وتبدو أدوات لجذب انتباه المهرجانات أكثر من كونها عناصر سينمائية جادة. لانثيموس يريد أن يقدّم إلهاً مختلفاً وإنساناً كاملاً، لكن ما يمنحه للمشاهد هو مجموعة استعارات سطحية وخاتمة كارثية بلا علاقة بمسار الفيلم الرمزي. “كائنات مسكينة” في هذا الجانب، كما في باقي جوانبه، يلجأ إلى الشعارات والمبالغة أكثر مما يبني معنى حقيقياً.

دور الدعاية المفصّلة في النجاح المزيّف لفيلم «كائنات مسكينة»

فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things) أُنتج بميزانية تقارب 35 مليون دولار، لكن نجاحه لم يأتِ من جودة سينمائية بل من الدعاية المهرجانية والجوائز الدولية. في سينما اليوم، لا يحتاج المخرج إلى ميزانيات ضخمة للإعلان المباشر؛ يكفي أن يضمن في فيلمه موضوعات محببة للمهرجانات مثل النسوية المتطرفة، الميول الجنسية المختلفة أو الشعارات الاجتماعية، ليحظى بالتصفيق من النقاد واللجان بغض النظر عن الجودة الفعلية. “كائنات مسكينة” وقع تماماً في هذا المرض المعاصر: فيلم يخدم المهرجانات أكثر مما يخدم السينما.

هذا التوجه جعل “كائنات مسكينة” بدلاً من أن يقدم قصة مشوقة ومتناسقة، يتحول إلى عمل مفصّل على مقاس الجوائز العالمية. لانثيموس الذي كان يهتم سابقاً بموضوعات خاصة ونادرة في السينما، اتجه هنا إلى مضامين مصممة أساساً لجذب انتباه المهرجانات. خاتمة الفيلم تكشف هذا الطابع المفصّل بوضوح؛ حيث تحل الرموز والشعارات محل السرد وبناء الشخصيات. هذا التحول يوضح أن الفيلم ليس نتاج رؤية شخصية للمخرج، بل نتيجة ضغوط وتوقعات سوق المهرجانات.

إنفوغرافيك يوضح مراحل رحلة بيلا الرمزية في فيلم «كائنات مسكينة» (Poor Things)
إنفوغرافيك يكشف المسار الرمزي لرحلة بيلا بين الخلق والعودة إلى الجنة

الدعاية الواسعة والتغطية الإعلامية للمهرجانات صنعت نجاحاً مزيّفاً للفيلم. الجمهور العام، تحت تأثير هذه الدعاية، يظن أنه أمام عمل مهم وعميق، بينما الحقيقة أنه فيلم ضعيف مليء بالشعارات السطحية. هذا التناقض بين الدعاية والجودة هو ما يجعل نقد “كائنات مسكينة” ضرورياً: فيلم يبدو فائزاً بالجوائز لكنه في جوهره إخفاق سينمائي. نجاحه المزيّف ليس بسبب الفن، بل بسبب آليات الدعاية المهرجانية.

في النهاية، “كائنات مسكينة” مثال واضح على السينما المفصّلة اليوم؛ سينما تعتمد على الشعارات والدعاية بدلاً من الإبداع والسرد. هذا الفيلم يوضح كيف يمكن للمهرجانات أن تروّج لعمل ضعيف كأنه تحفة، وكيف يمكن للدعاية أن تحل محل الجودة. نجاح “كائنات مسكينة” الظاهري ليس ثمرة فن لانثيموس، بل نتيجة اللعب بقواعد سوق المهرجانات؛ نجاح بلا أساس سينمائي حقيقي، وصورة زائفة للقيمة الفنية.

الخاتمة

فيلم “كائنات مسكينة” (Poor Things) مثال صارخ على النجاح المزيّف في السينما المعاصرة؛ نجاح لا ينبع من السرد أو بناء الشخصيات، بل من الدعاية المهرجانية والجوائز الدولية. أُنتج بميزانية متوسطة، لكنه عبر مضامين محببة للمهرجانات قدّم نفسه كتحفة، بينما هو عملياً عمل مفصّل لجذب الانتباه والجوائز.

من الناحية الفنية، لا يُدافع عن الفيلم إلا في جانبين: أداء إيما ستون القوي وبعض المؤثرات البصرية. أما باقي العناصر فهي فوضوية وشعاراتية. السيناريو ضعيف، بناء الشخصيات غير منطقي، الرموز سطحية، والإخراج مبالغ فيه؛ كل ذلك يمنع المشاهد من التفاعل مع القصة. والأهم أن الفيلم لم ينجح في تقديم مسار تطور لشخصيته الرئيسية بشكل مقنع، لينتهي برحله فارغة وغير إنسانية.

في المحصلة، “كائنات مسكينة” ليس عملاً سينمائياً بقدر ما هو انعكاس لأزمة السينما اليوم؛ حيث تحل الدعاية والجوائز محل الجودة والسرد. الفيلم يوضح كيف يمكن عبر الشعارات والرموز السطحية أن يُصنع وهم القيمة الفنية ويُقدّم كتحفة، بينما هو في الواقع إخفاق فني. نقد هذا العمل هو أيضاً نقد للسينما المهرجانية المعاصرة؛ سينما تعتمد على الدعاية أكثر من اعتمادها على الفن، وتقدّم أعمالاً مثل “كائنات مسكينة” كنجاحات، بينما هي في حقيقتها إخفاقات.

تقييم هيئة تحرير “عرب شوتايم” لفيلم «كائنات مسكينة»: 4 من 10

ما رأيكم في فيلم “كائنات مسكينة”؟ هل تتفقون مع رأي هيئة تحرير “عرب شوتايم” حول هذا الفيلم؟ سواء كنتم مؤيدين أو معارضين، ندعوكم لمشاركة آرائكم عبر قسم التعليقات لتصل إلينا وإلى القرّاء.

Google search engine

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine

أحدث

- Advertisment -
Google search engine
- Advertisment -
Google search engine