هل فكرت يومًا كيف ترى الحيوانات مثل الكلاب الحياة والناس؟ وهل تختبر هذه الحيوانات مشاعر مشابهة لمشاعرنا نحن البشر؟ فيلم **The Art of Racing in the Rain** يتناول هذا الموضوع خلال ١٢٠ دقيقة.
ملخص الفيلم: رؤية فلسفية من منظور كلب
تدور أحداث الفيلم في مدينة سياتل حول **دِني سويفت**، سائق شغوف بسباقات السيارات. تبدأ القصة حين يتبنى دِني جرّاء من نوع جولدن ريتريفر ويسميه **إنزو**. ما يميز هذا الفيلم هو أنه يُروى بالكامل من وجهة نظر إنزو.
يؤمن إنزو بأسطورة منغولية تقول إن الكلاب التي تتعلم دروس الحياة جيدًا تولد من جديد كالبشر. يرافق إنزو صاحبه في رحلة حياته، من بدايات مسيرته المهنية إلى زواجه من **إيف**، ثم ولادة ابنتهما **زوِي**. الفيلم ليس مجرد قصة عن السيارات؛ بل هو رحلة عاطفية تتناول الحب والمرض وصراعات الحضانة ودروس الصمود. بشكل عام، يركّز السرد على الحب والفقدان والأمل.

إخراج مبتكر: الحياة من منظور كلب
عند الحديث عن طريقة تفكير حيوان، يصبح تغيير زاوية الرؤية عنصرًا أساسيًا في التصوير السينمائي، وقد استغل المخرج هذا العنصر بشكل صحيح. نرى أحيانًا المشاهد من مستوى عين إنزو، ونشاهد الشخصيات والعالم من منظوره. حوارات إنزو مع نفسه ومع الآخرين جاءت مؤثرة ومشوقة.
مع ذلك، لا يعني الاعتماد على زاوية رؤية غير مألوفة أن الفيلم يحافظ عليها طوال الوقت. المخرج يغيّر زاوية التصوير بحسب مقتضيات المشهد. خصوصًا عندما يحاول إنزو إيصال فكرة لصاحبه ولا يستطيع أحد فهم حالته، نُشاهد الأحداث من منظور إنزو وحده. في لحظات اليأس والعجز، يضعنا الفيلم أمام عيني إنزو لنفهم تأثير الموقف عليه. بهذه الطريقة فقط استطاع المخرج نقل إحساس إنزو بفعالية إلى المشاهد.
الأداء والتمثيل
**ميلو فينتيميغليا** في دور دِني، سائق السباقات الذي كرّس حياته لهذا المجال. بالنظر إلى أن الفيلم مقتبس عن رواية، كان متوقعًا أن تكون العلاقة العاطفية بين دِني وإنزو أكثر عمقًا، لكن ما نراه في النهاية علاقة بسيطة وطبيعية. المخرج نجح إلى حدٍ معقول في نقل المشاعر.
لا يمكن تجاهل **التقطيع السينمائي الذكي** للفيلم. في المشهد الافتتاحي، يعرض المخرج حالة إنزو الحرجة ويجذب المشاهد للجلوس مع القصة؛ قصة قد لا تكون جذابة لو رُويت بطريقة أبسط. هذا العرض الأولي يثير سؤالًا لدى المشاهد: لماذا يروي إنزو حياته من داخل منزل كبير وهو في حالة سيئة؟ هذا التساؤل يبقي الاهتمام متواصلًا.الحوار في الفيلم لا يقتصر على دِني وإنزو فقط. على مدار ١٢٠ دقيقة يظهر عدد من الشخصيات الثانوية التي لا تحظى دائمًا ببناء شخصيّات قوي أو تفاعل متين مع الشخصية الرئيسية إنزو. وجودهم في الفيلم يبدو أحيانًا شكليًا لأنهم يؤدون أدوارًا موجودة في الرواية الأصلية. كان من الممكن أن تتحول مواجهة عائلة دِني مع إنزو إلى مشاهد لا تُنسى، لكن هذه المشاهد تنتهي بسرعة. المشاهد الأكثر بقاءً في الذاكرة هي تلك التي نرى فيها إنزو وحيدًا عبر عدسة المخرج، خاصة عندما يُحاصر بالوحدة والجوع ويبدأ في رؤية أوهام بصرية. هذا المشهد، إلى جانب براعة المخرج في تصوير أوهام كلب، يذكّرنا بأن الحيوانات قد تعاني أوهامًا مشابهة للبشر.

التحليل الفني: الإخراج، التصوير، والموسيقى
الإخراج: المخرج سايمون كورتيس نجح في تحويل مونولوج داخلي فلسفي للكلب إلى دراما بصرية ملموسة. ركّز على الجانب الإنساني والعاطفي، وحاول موازنة الحس العاطفي الشائع في “أفلام الكلاب” مع قساوة عالم سباقات السيارات. كورتيس أعطى الأولوية للعمق العاطفي على التجريب السينمائي. إيقاع الفيلم متعمّد أن يكون بطيئًا ليمنح المشاهد فرصة للتأمل.
التصوير السينمائي: المصوّر راس إيمري قدّم لقطات متميزة، خصوصًا في مشاهد السباق التي صُوّرت في حلبات حقيقية مثل لاجونا سيكا. استُخدمت لقطات منخفضة الزاوية على مستوى عين الكلب لتعزيز الارتباط بمنظور إنزو. مع ذلك، أشار بعض النقاد إلى تباين في الإضاءة وبعض اللقطات التي بدت أقرب إلى الدراما التلفزيونية التقليدية. عمومًا، المصوّر نجح في تصوير اللحظات الحميمة بدفء؛ مشاهد السباق سريعة ومشحونة، بينما المشاهد العائلية هادئة ومقربة. استخدام الضوء الطبيعي يخدم الجو العام للفيلم.
الموسيقى التصويرية: داستين أوهالوران وفولكر برتلمن قدّما مقطوعات ذات طابع عاطفي. الموسيقى تعزّز اللحظات الحزينة والمفرحة على حد سواء، وتدفع المشاهد نحو ذروة عاطفية في المشهد الختامي. الموسيقى تعمل كخلفية داعمة لا تسعى للسيطرة على المشهد، بل تزيد من الإحساس بالحنين والدراما.
التمثيل: براعة في الصوت والجسد
ميلو فينتيميغليا (دِني): بفضل خبرته في الأدوار الدرامية، قدّم أداءً متوازنًا وعميقًا. نجح في بناء كيمياء حقيقية مع الكلب الذي أدى دور إنزو، مما جعل العلاقة بينهما تبدو صادقة على الشاشة.
أماندا سيفريد (إيف): جسّدت دور الزوجة ببراعة، خصوصًا في مراحل معركتها مع المرض. كان أداؤها مؤثرًا وساهم في تعميق مأساة العائلة في ذهن المشاهد.
كيفين كوستنر (صوت إنزو): كوستنر بصوته الدافئ والخشن كان نجم العرض الحقيقي. منح إنزو وقارًا وحكمة فلسفية، بعيدًا عن أسلوب الكلاب المتكلمة المعتاد في أفلام الأطفال.
الكلب “باركر”: أدى دور إنزو بذكاء وهدوء، ووصفه طاقم العمل بأنه يمتلك “روحًا”. تعابير وجهه كانت كافية لنقل مشاعر معقدة دون الحاجة إلى مؤثرات بصرية معقّدة.
بشكل عام، التمثيل في الفيلم متماسك. الممثلون يقدمون مشاعر حقيقية ومضبوطة. توازن المشاهد الصامتة مع المونولوجات الصوتية جيد.

نقاط القوة
* الأصالة في تصوير عالم السباقات: الفيلم نال إشادة المتخصصين لمحاكاته الدقيقة لعالم سباقات IMSA.
* العمق الفلسفي: تقديم الحياة كحلبة سباق في المطر، حيث “السيارة تذهب حيث تتجه عيناك”.
* اختيار صوت الراوي: اختيار كوستنر كصوت لإنزو كان قرارًا موفقًا أضفى طابعًا ملحميًا على القصة.
نقاط الضعف
* المبالغة العاطفية: قد يبدو الفيلم متعمدًا في استثارة المشاعر لإخراج الدموع.
* قضية الحضانة القانونية: صراع الحضانة بين الأجداد بدا تقليديًا وأحيانًا غير واقعي.
* بعض المشاهد الخيالية: مشاهد الهلوسة أو الرموز قد تبدو غريبة وغير متسقة مع النبرة الواقعية للفيلم.
يحمل اسم الفيلم «فنّ السِّباق تحت المطر» دلالة فلسفية عميقة تنسجم مع مضمونه، إذ یعكس للمشاهد رؤية ثقیلة المعنى حول الحیاة. فـ«السِّباق تحت المطر» مهمة صعبة، وهو استعارة لعبور التحدیات والمصاعب التي تواجه الإنسان. وقد حصل هذا الفيلم، بفضل نظرته الفلسفية العمیقة وتأثیره في محبّي السینما الجادّین، على تقییم ممتاز بلغ 8.5 من 10 من فریق تحریر عرب شوتایم
الخلاصة
فيلم «فن السباق في المطر» عمل دافئ يمزج بين فلسفة الحياة وإثارة المحركات. هو فيلم مناسب لعشّاق الحيوانات الأليفة، يحتفي بالوفاء والروابط التي لا تنكسر. رغم وقوعه أحيانًا في فخ الكليشيهات الدرامية، تظل رسالته عن الصمود في مواجهة عواصف الحياة قوية وملهمة.
**تقييم هيئة التحرير في عرب شوتایم للفيلم: 10/8.5**




